التغيير برس

علوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ

في يوم كئيب، زادت كآبته من كآبة الأوضاع الكارثية التي نعيشها، صدمني نبأ وفات الصديق العزيز علوان سعيد الشيباني، كما صدم النبأ الفاجع كل الأصدقاء، الذين عرفوه رجلاً من معدن آخر، مختلفاً عن كل من عرفناهم، وإنساناً متميزاً بحُلمه الوطني وإنجازاته وسمو أخلاقه وعلاقاته الإنسانية الراقية. كنا نتوقع أن يأتي إلينا، كما وعدنا بتفاؤله المعهود، عبر مطار صنعاء، عندما يعاد تشغيله. ولم يخطر في بال أحد منا أنه سيأتي عبر مطار صنعاء، التي أحبها وأحبته، ولكن جثماناً طاهراً مسجى، بعد أن أسلم روحه إلى بارئه. فلله ما أعطى ولله ما أخذ، ولا راد لقضائه ولا ناقض لحكمه.

ولأن الكلمات تستعصي أمام هذا الحدث الجلل، فإن الكتابة في هذه اللحظة، هي من أشق الأمور على النفس والعقل. وهل للكلمات أن ترقى إلى مستوى هذا الراحل الوطني المثقف المستنير، وإلى مستوى إنجازاته الماثلة أمامنا، وإلى مستوى حُلمه الكبير، بوطن موحد خال من الفقر والجهل والظلم والتخلف، وطن لا يميز بين أبنائه، فيقسمهم إلى طبقات دنيا مهمشة، وطبقات عليا تستأثر بكل شيء. رجل انساق مع حُلمه وكرس حياته له، فمد يده إلى الأطفال الفقراء، الذين حرموا نعمة التعليم، فأضاء طريقهم و أمن لهم سبل التعليم والتأهيل، حتى تخرج بعضهم، بفضله، من الجامعات، في مختلف التخصصات، وزود بعضهم الآخر بالتدريب والمهارات الفنية، ووضعهم في سوق العمل، مؤهلين، قادرين على إعالة أسرهم الفقيرة، وبنى المدارس في المناطق النائية المحرومة من التعليم، وأنفق عليها، ليوصل نور العلم إلى أبعد ما يستطيع الوصول إليه في أرجاء الوطن اليمني الكبير، ومد يده إلى الأسر الفقيرة، فكفل منها من تمكنت يده من الوصول إليها، بمخصصات منتظمة، لم يتحدث عنها لأحد. لأنه كان ممن لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.   

لقد ترك علوان الوظيفة الحكومية والنشاط السياسي، وانصرف إلى تحقيق حُلمه الكبير في خدمة وطنه عبر طريق آخر، لم يزاحمه ولم يقدم على منافسته فيه أحد حتى الآن. حمل حُلمه الوطني وانتماءه السياسي وخبرته الوظيفية، وسخرها جميعها لتحقيق ما نوى أن ينجزه لهذا الوطن، عبر الفعل المتميز المؤثر، المرئي والملموس. ولأن الكلمات تستعصي والعبارات تبدو باهتة أمام هذا الحدث الجلل، ولا ترقى إلى مستوى فقيد اليمن، فسأسترجع ما كنت قد كتبته في منتصف شهر أكتوبر من عام 2020م، تحت عنوان (الوطنية أفعالٌ لا أقوال)، بعد حضوري الحفل الذي أقيم بمناسبة توديع واستقبال الطلاب المستفيدين من برنامج التعليم والتدريب، الذي تموله (مؤسسة الخير للتنمية الاجتماعية)، التي شيدها الراحل العزيز، كأداة من أدوات تحقيق حُلمه الوطني:    

"عرفته في مطلع ستينيات القرن الماضي، في مدينة القاهرة، التي كانت في ذلك الزمن الجميل عاصمة العرب. كان يهيء نفسه للسفر في منحة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. حينها كان الحصول على منحة دراسية إلى كثير من بلدان العالم سهلاً وميسوراً، وكان التعليم في كل البلاد العربية مجانياً.

ولأن وعيه السياسي كان وعياً مبكراً، وقد انتمى لفترة من الزمن إلى إحدى الحركات السياسية القومية (حزب البعث العربي الاشتراكي)، فقد شارك في إحدى المدن الأمريكية بمظاهرة احتجاجية على السياسات الاستعمارية في الوطن العربي. فكان جزاؤه إيقاف منحته الدراسية. فاضطر إلى العمل في مطعم من المطاعم، وهو عمل يمثل إرثاً لأبناء منطقته (منطقة بني شيبان)، احتفظ به وحمله معه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فأسعفه عند الحاجة. وواصل العمل والدراسة حتى أكمل دراسته الجامعية. 

وبعد استقلال الجنوب مباشرة، كما أتذكر، عاد إلى عدن وعمل لبعض الوقت في إحدى المؤسسات الحكومية. ثم غادر عدن في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وعمل في مؤسسة الطيران اليمنية في صنعاء. ثم استقال بعد ذلك من عمله في المؤسسة، ليجرب حظه في مجال العمل الحر. ولم يكن، وهو ابن أسرة فقيرة، لم يكن يملك من المال شيئاً، ليبدأ به مغامرته. ولكنه كان يملك عقلاً مستنيراً ووعياً وطنياً وضميراً حياً وحُلماً كبيراً. وخلال سنوات قليلة بدأ يشق طريقه، ليحقق نجاحاً لم يكن متوقعاً، ويصل إلى ما وصل إليه اليوم.      

تحدث أحد رموزنا الوطنية، الصديق يحي حسين العرشي، عن حُلم هذا الرجل، في كلمة ألقاها ارتجالاً، في نهاية الحفل الذي أقيم اليوم، والذي حفزني إلى كتابة هذه الأسطر، وهو حفل (توديع واستقبال الطلاب المستفيدين من برنامج التعليم)، الذي تموله (مؤسسة الخير للتنمية الاجتماعية)، التابعة لمجموعة العالمية. وبكلمات وجيزة مس فيها الصديق يحي العرشي جذر هذه المؤسسة، والمشروع الذي لم يكن له وجود إلا في عقل صاحبه وفي أحلامه، عندما بدأ مغامرته في العمل الحر. فقد استقال الرجل من عمله في مؤسسة الطيران، ليجرب حظه في العمل الحر. وعندما سأله الصديق العرشي، الذي كان قد تعرف عليه في مطلع سبعينيات القرن الماضي: لماذا استقلت من عملك؟ أجابه: أريد أن أمارس العمل الحر، لعلي أحصل على مال أستطيع أن أوجهه نحو العمل الخيري. كان هذا هو جذر مؤسسة الخير: فكرة في عقل صاحبها وتصميم على تحقيقها، وضمير حي، مملوء بحب الوطن وأبنائه.  

 

تابعت وقائع الحفل، الذي كادت بعض المشاغل أن تصرفني عن حضوره، وكم كنت سأندم، لو لم أحضره، تابعت وقائعه بشغف وذهول. هل يعقل أن مؤسسة، لا يروَّج لها في وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، قد تمكنت، على مدى عقود من الزمن، من تحقيق هذه الإنجازات العظيمة، في مجال التعليم والتدريب المجاني للفقراء، الذين تدفع لهم المؤسسة مخصصات مالية تساعدهم على أن يعيشوا ويواصلوا تعليمهم كما تدفع لمئات الأسر الفقيرة معونات شهرية منتظمة، توفر لهم متطلبات الحياة. إنها إنجازات عظيمة، من حيث نوعيتها، ومن حيث شمولها ساحة الوطن اليمني الواسعة، من الجوف ومأرب إلى شبوة وحضرموت، ومن تهامة وتعز إلى صنعاء وصعدة. المستفيدون منها يعدون الآن بالآلاف، من طلاب كافة المراحل الدراسية، بما فيها الجامعية والدراسات العليا. منح سخية تُعطى للطلاب الفقراء، مع تركيز خاص على أبناء تهامة والجوف ومأرب، وغيرها من المناطق النائية والمهمشة، التي لم تعرها الدولة اهتماماً يذكر. دورات تأهيل للفقراء، تخرج منها الآلاف، والتحقوا بسوق العمل، وتمكنوا من إعالة أسرهم. بناء مدارس في بعض مناطق اليمن المهملة، وتشغيلها على حساب مؤسسة الخير. منح دراسية لطلاب يواصلون دراساتهم في الداخل والخارج. إلى غير ذلك من بصمات الحُلم، الذي تحقق بعضه، وما زال الرجل يحلم بالكثير، رغم العثرات والمصاعب، التي اعترضت طريقه، وما تزال تعترض طريقه حتى اليوم، مع الأسف الشديد.  

اخبار التغيير برس

لقد تحققت بعض أحلام هذا الرجل، عبر كفاح طويل وجهد ودأب، وعبر عمل منظم صارم، لعل بذرته قد أودعها فيه انتماؤه التنظيمي المبكر إلى أحد الأحزاب القومية. ولكن الأحزاب عجزت عن بلورة مشاريعها الوطنية والقومية، ومواصلة مشوارها حتى تحقق أهدافها، ووقفت في منتصف الطريق، واندثر معظمها. في حين واصل هذا الرجل مشروعه، بعد أن استقال من عمله الرسمي وابتعد كلياً عن العمل السياسي، بمعناه الضيق، منذ سبعينيات القرن الماضي، واستبدله بالعمل الوطني المثمر، الذي أثبت من خلاله أن الوطنية أفعالٌ لا أقوال. 

فهل عرفت من هو هذا الرجل؟ وهل وقفت على طرف من مشروعه؟ وهل لرجال الأعمال اليمنيين أن يتخذوا منه مثالاً وقدوة؟ وهل للسلطة الحاكمة، سواءً في صنعاء أو في عدن أو في حضرموت، أو في مأرب، أو في غيرها من مناطق اليمن، المهدد في وحدته وفي نسيجه الاجتماعي، هل لها أن تسند جهود هذا الرجل، وتزيل كل العقبات، التي تعترض طريقه وتعرقل مشروعه الوطني الطموح؟ إنه مشروع يبدأ بالعلم، فكل مشروع نهضوي لا بد أن يبدأ بالعلم، كما أكد هذا الرجل في كلمته، التي اختتم بها اليوم حفلاً، مثل لحظة من البهجة، انتُزعت من واقع، ليس فيه من البهجة شيء. فتحية لهذا النموذج الوطني الإنساني المشرِّف، تحية لصديقي علوان". 

 

هذا ما كتبته حينذاك، وهو غيض من فيض ما يمكن أن يُكتب عن حياة وإنجازات وحُلم الراحل العصامي، المثقف المستنير، الذي نشأ فقيراً، لكنه كان غنياً بهمته وطموحه الوطني، فخط بطموحه وبسلوكه طريقاً للحالمين، وخلف دروساً، لمن يريد أن يتعلم كيفية تحويل الأحلام الوطنية إلى واقع معاش، والأقوال والتنظيرات إلى أفعال ملموسة ومؤثرة.

 

تغمد الله روحه الطاهرة بواسع رحمته وجزاه خير الجزاء على كل ما قدمت يداه من عمل صالح لوطنه ولشعبه، عبر الجهد الدؤوب المنظم الدقيق الطموح، الذي عُرف به طوال حياته. وعزاءً لأهله، وعلى رأسهم ابنتاه، قرة عينه وواحة ظله وراحة نفسه، وأحفاده، فرحة عمره، وأنسابه وجميع أهله. وعزاءً للعالمية وكل العاملات والعاملين فيها، الذين كان لهم أباً وأخاً كبيراً، لا رئيساً ولا ربَّ عمل، وكانوا له أبناءً وإخوة، لا مرؤوسين، بادلوه الحب بحب، والحنو بالإكبار والإخلاص. وعزاءً لوطنه الذي خسره، ولشعبه الذي كرس الراحل حياته لخدمته، عبر سبيل غير مطروق، لم ينافسه فيه أحد من رجال الأعمال اليمنيين حتى الآن. وعزاءً لكل أصدقائه المكلومين برحيله. وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

 

صنعاء، الجمعة، العاشر من يونية 2022م.

التغيير برس