التغيير برس

دولة الخدمات العامة

الأمن والجباية هما أولى وظائف الدولة عند نشوئها بشكلها البدائي البسيط، الذي عرفه الإنسان لأول مرة في تاريخه. ومن الصعوبة بمكان أن نفاضل بين الوظيفتين، وأيهما أكثر أهمية. فالأمن، لا سيما أمن الحكام، كان ضرورياً لاستمرار حكمهم وحماية أشخاصهم من الأعداء الداخليين والخارجيين، والجباية كانت ضرورية لاستمرارهم في الحكم. وقد تضافرت الوظيفتان عبر التاريخ، وتداخلتا إلى درجة أنه غدا من الصعب الفصل بينهما، أو معرفة أيهما أكثر ضرورة.   
 
ومع تطور المجتمع البشري برزت وظائف جديدة للدولة، احتل بعضها مكانة الجباية من حيث الأهمية، لا سيما في العصر الحديث، كوظيفة الخدمات العامة، التي أصبحت الدولة ملزمة بتقديمها للمواطنين، بحيث أصبح مفهوم الدولة مرادفاً لمفهوم الخدمات العامة. وهذا التطور التاريخي في وظائف الدولة، يجعل التفكير في استعادة المكانة القديمة لوظيفة الجباية نكوصاً حاداً نحو وظائف الدولة بشكلها البدائي، الذي عرفه الإنسان في فجر التاريخ البشري، وتجاهلاً لمعنى الدولة الحديثة ووظائفها، التي تصب في صالح المجتمع بكامله، وعلى رأسها الخدمات العامة.
 
ولأن وظيفة الجباية هي  إحدى أقدم وظائف الدولة، فسأقصر حديثي هنا عنها، وعما يدور من جدل حولها هذه الأيام. واضعاً في الاعتبار التعميم الرسمي، الذي طالب المواطنين بالتبليغ عن أي ممارسات تتسم بالفساد، تجري في إدارات ومؤسسات الدولة. ولا شك في أن مطالبة المواطنين بالتبليغ عن أي ممارسات تتسم بالفساد، هو في حد ذاته أمر طيب. ولكن لا بد من الانتظار لبعض الوقت، حتى نلمس فعاليته، قبل أن نحكم على جدواه. وسأختار في حديثي جانباً من جوانب الجباية، وهو جباية ضريبة العقارات. فقد تعالت الأصوات المتذمرة من الآلية التي تؤخذ بها هذه الضريبة من المكلفين بتسديدها.
 
ومن الواضح أن سبب التذمر، هو أن عملية تحصيل الجباية قد اتخذت شكلاً مزعجاً، لا يتناسب مع طبيعة الدولة الحديثة ووظائفها وإجراءاتها وأساليبها، ولا يراعي ظروف الحرب وشلل الحركة التجارية وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة، والفقر الذي يعصف بالجميع، في ظل انعدام مصادر الدخل، كالمرتبات والمعاشات، أو انخفاض الدخل التجاري إلى حد يكاد يتساوى فيه مع كلفته، كما هو الحال بالنسبة لكثيرين ممن تعتمد حياتهم على النشاط التجاري، في سوق يحكمه الحصار وارتفاع تكاليف إيصال السلعة إلى السوق المحلية، عبر شبكات الاستيراد أو التهريب، وتعرض عملية نقل السلع للابتزاز المتعدد الأوجه عبر الطرق الطويلة والشاقة، عدا عن انخفاض قيمة الريال اليمني الشرائية، وانخفاض قيمته مقابل العملات الأجنبية، إلى ما دون ثلث قيمته قبل الحرب، في بعض المناطق، وإلى ما دون سدس قيمته في مناطق أخرى.
 
إن الحديث عن معاناة المواطنين أصبح حديثاً مكررا. فالمعاناة أضحت هي الظاهرة الأبرز في حياتنا اليومية، ولم تعد بحاجة إلى من يشير إليها أو يقدم إيضاحاً لها. وأي حديث عنها إنما هو من قبيل بث الشكوى والأنين. والشكوى للصاحب، كما يقال، حجامة. والصاحب هنا أضحى كل الآخرين، لأن الكل أضحى يشكو للكل.
 
وتزداد الشكوى لدى الموظفين الحكوميين والمتقاعدين، الذين لجأ بعضهم، بسبب تدني راتبه أو معاشه، أو انقطاعه، لجأ إلى استحداث محل صغير في سور بيته، إذا كان يمتلك بيتاً، فيؤجره، ليؤمن قوته الضروري وقوت أطفاله. فهؤلاء، عندما فكروا بالحصول على مصدر بسيط وشريف لاستمرار حياتهم، لم يخطر في بال أحد منهم أن بعض موظفي الضرائب والواجبات سيقاسمونهم دخلهم الزهيد، إضافة إلى ما يتوجب عليهم دفعه من مستحقات للدولة. وكأن ممثلي الدولة لم يدركوا بعد حجم التطور الذي حدث في وظائفها عبر التاريخ، حيث تحولت الدول الحديثة إلى دول خدمات، وإلى هيئات ضامنة لحياة المواطن وصحته وتعليمه ولقمة عيشه، ولم تعد دول جبايات، كما كانت في فجر التاريخ.
 
فما الذي يحدث في الواقع العملي، وكيف تؤدي أجهزة الدولة وظيفة الجباية هذه؟ سأختار مثالاً، تردد على مسمعي كثيراً:
 
يزور هذا الموظف أو ذاك في جولته اليومية محلاً من المحال التجارية، وغالباً ما يأتي بطقم عسكري، لتكتمل موجبات الهيبة والهنجمة، ويضمن إرهاب صاحب المحل وتخويفه. ثم يطلب من صاحب المحل، وبحضور المهنجمين الآخرين (العسكر)، تسديد الضريبة، أو الواجبات. وعندما يطيعه صاحب المحل ويبدي استعداده للدفع، بحسب ما دفعه في السنة الماضية، ويبرز له عقد الإيجار، يكون رده: هذا مش معقول .... من عا يصدق إنك مؤجر بهذا المبلغ. وتبدأ المساومات، وتتخللها الإيحاءات، بالويل والثبور وعظائم الأمور. ولا ينسى الموظف أن يظهر شكواه من السلطات العليا، التي تفرض على مكتب الضرائب، الذي يعمل فيه مبلغاً (قاطع مقطوع)، يتضاعف كل سنة، مما يجبر المكتب على رفع مقدار الضريبة سنوياً على كل محل، ليستطيع أن يوفي للدولة بما فرضته عليه. وهكذا تتقمص الجهات الضريبية مظلومية أصحاب المحلات، ويصبح الكل مظلوماً. ولا تعرف من هو الظالم.
 
وعندما يخضع المواطن مجبراً لما يفرضه موظف الضرائب أو الواجبات، ويقبل بدفع المبلغ المطلوب للدولة، يفاجئه الموظف بطلب مبلغ إضافي، يتراوح بين ثلث ونصف المبلغ المطلوب تسديده للدولة. وهذا المبلغ الإضافي هو، كما يسميه الموظف (أتعاب). وهي تسمية ملطفة لاسم (الرشوة). وهكذا تسير الأمور، ويصبح الموظف شريكاً أصيلاً لصاحب المحل وللدولة. وقد يستمر الموظف في توضيح مظلوميته، فيبين للمواطن بأن هذا المبلغ الإضافي ليس له وحده، بل سيتم تقاسمه مع الموظفين الآخرين في مكتب الضرائب أو مكتب الواجبات، الذي يعمل فيه. 
 
فإذا صدق موظفو الضرائب فيما يقولونه، وفي ما يبررون به سلوكهم، من أن السلطة تلزمهم بمبالغ محددة (قاطع مقطوع)، يجبرون على دفعها، ويتم مضاعفتها سنوياً _ وهذا أمر شديد الغرابة ويصعب تصديقه _ فإنه يذكرنا بوجه من أوجه فساد الدولة العثمانية، في مرحلة ترهلها وضعفها، قبل انهيارها. ففي تلك المرحلة كانت الوظائف العامة ذات المردود المالي تباع لمن يدفع أكثر. ومن أهم تلك الوظائف وظيفة الوالي. فيحصل صاحب الحظ الأوفر، أي صاحب الدفع الأكثر، على الولاية التي يريدها، ويتم تعيينه والياً عليها مقابل الرشوة الكبيرة التي يقدمها. ثم تلزمه الدولة بدفع مقدار محدد من الضرائب السنوية عن تلك الولاية. ولكي يتمكن الوالي المحظوظ من الوفاء بالتزامه للدولة وتحقيق مكاسب مالية خاصة به، في الوقت نفسه، فإنه لا يتورع عن إرهاق المواطنين بالضرائب، التي تفوق قدرتهم على الدفع، وتؤدي إلى إفقارهم وبؤسهم.
 
وبالتأكيد فإن الممارسات غير السليمة، التي تجري عند تحصيل الجبايات (الضرائب والواجبات)، لا يقوم بها كل الموظفين. ولكن ممارستها من قبل موظف واحد، أو من قبل عدد قليل من الموظفين، يسيء إلى كل الموظفين في المؤسسة، كما يسيئ إلى المؤسسة ذاتها. مما يوجب على كل مؤسسات الدولة، التي يشكو المواطنون من ممارساتها، بل وعلى كل موظفيها، الذين لم ينزلقوا إلى دائرة الفساد، أن يكونوا جميعهم رقباء على مؤسساتهم وعلى ممارسات زملائهم المسيئين، على قاعدة (الرقابة الذاتية). فقد تكون الرقابة الذاتية أكثر فاعلية وجدوى في وضع حد لظاهرة الفساد المالي والإداري، من المراسيم والتوجيهات العامة ومن أجهزة الرقابة والمحاسبة ومكافحة الفساد وغيرها، ولا سيما إذا وجدت القدوة النزيهة الصالحة من النخب الحاكمة، التي سيدفع سلوكها النزيه كل موظفي الدولة وأجهزتها والمواطنين إلى التشبه بها والاقتداء بسلوكها، والعكس بالعكس صحيح. فالتابع يتشبه بالمتبوع ويقتدي به، كما ذهب إلى ذلك مؤسس علم الاجتماع، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي اليماني.   
 
وهنا أصل إلى بيت القصيد. فالحديث عن السلبيات دون طرح الحلول العملية لمعالجتها، يبقى حديثاً ناقصاً غير مكتمل. ولكي يكون الحديث عن سلبيات تحصيل الضرائب والواجبات وآلياتها الحالية مقروناً بالحلول، يمكن التفكير في حل سهل وبسيط ومعروف ومعمول به في كثير من البلدان. وألخصه بالآتي: 
 
في تلك البلدان يتم تصنيف المناطق والشوارع الرئيسية والفرعية فيها، بحسب موقعها وأهميتها. ويحدد إيجار المتر المربع في كل منها، بصورة مدروسة وموضوعية ومنصفة، وبعيداً عن المزاجية والارتجال والمبالغة. فيصبح إيجار العقار معروفاً ومحدداً بحسب مساحته، وبحسب  تصنيف منطقته والشارع الرئيسي أو الفرعي الذي يوجد فيه ذلك العقار. فلا يحتاج أي مؤجر أو مستأجر إلى أن يجتهد في تحديد إيجار العقار (سواءً كان سكنياً أو تجارياً)، ولا تحتاج الدولة إلى إرسال موظفيها وعساكرها لفرض مقدار الجبايات الواجبة على المواطنين وتحصيلها. وهكذا يرتاح المؤجر والمستأجر، وتحصل الدولة على جباياتها كاملة غير منقوصة، وتحافظ على حقوق المواطن وكرامته، وتثبِّت قاعدة للتعامل، يعرف المواطن من خلالها ما له وما عليه، بصورة محددة وواضحة وعادلة. 
 
ولعدم ترك ثغرة تنفذ من خلالها الجهة المختصة أو بعض موظفيها، فيمارسون ممارسات تذكرنا بدولة الجبايات المغرقة في القدم، يُعطى المواطنون المكلفون رقم حساب بنكي، يوردون إليه ما يتوجب عليهم من ضرائب وواجبات سنوية، دون أن يمروا بأي جهاز يبتزهم أو بموظفين يستخلصون منهم ما يسمونه (الأتعاب) غير المبررة. ويحتفظ المواطنون المكلفون بسندات التوريد البنكية لديهم، لإبرازها لجهات الرقابة والتفتيش، عندما يُطالبون بإبرازها. 
 
إن عملية التسديد بهذه الطريقة، ليست عملية مستحدثة، نخترعها لأول مرة، فنحن نسدد شهرياً فواتير الماء والكهرباء والتلفون والإنترنت، إما عبر البريد، أو عبر الخصم من الحساب البنكي، بالنسبة لمن لديهم حسابات بنكية، دون أن يأتي موظفو هذه الجهات إلى المستفيدين من خدماتها، مصحوبين بأطقم عسكرية. فلماذا لا تُسدد الضرائب والواجبات بالطريقة نفسها، بعد تحديد المبالغ المستحقة، وفقاً لإيجار المتر المربع، وبحسب التصنيف المعتمد للشارع والمنطقة، الذي سيضع حداً نهائياً لعمليات المراجلة والأخذ والرد؟ سؤال أوجهه لمسؤولي الضرائب والواجبات، وللسلطات العليا، التي بإمكانها أن تضع آلية للتأكد من أن عملية التسديد قد تمت في موعدها، دون إنزال موظفين وأطقم عسكرية، ودون الخوض في مقدار الضريبة والزكاة. لأنهما قد حددتا مسبقاً، وفقاً لإيجار المتر المربع وبحسب تصنيف المنطقة والشارع.  

اخبار التغيير برس

التغيير برس