التغيير برس

لن يحصل اليمنيون على الكهرباء حتى يكون لديهم سلطة مركزية قوية

عندما يصاب إنسان بورم سرطاني في المراحل المتأخرة؛ يكون جواب العلم أن فرص نجاة المريض معدومة أو لا تتعدى 10%. في المقابل يكون جواب المشعوذ أن نسبة الشفاء 100%. الإنسان الواعي والمؤمن بالعلم يستمر في العلاج الطبي، على أمل أنه قد يكن من المحظوظين الذين قد يشفوا بالوسائل العلمية. أما الإنسان المتخلف فإنه سيذهب للمشعوذ لأنه يمنحه وهم وأمل زائف. 

على نفس القياس؛ عندما تكون أمه في أزمة وفي مرحلة تحول تاريخي، تذهب الأمة الواعية باتجاه الإصلاحات البطيئة ولكنها حقيقية ومثمرة في المستقبل، وفي هذه الحالة يتصدر المشهد العلماء والمتخصصين والسياسيين الواقعيين. أما الأمة المتخلفة فإنها تذهب نحو المشعوذين السياسيين ومدعي المعرفة والعلم، ويتصدر المشهد الشعبويين والمهرجين والانتهازيين والغوغاء.

عندما دخلت اليمن في أزمة عام 2011، أتجه الشعب اليمني للمشعوذين لأنه شعب متخلف، وتصدر هؤلاء المشهد، وأصبحت أفكارهم هي الحقائق الملهمة للناس، وتوارى عن المشهد كل صاحب عقل علمي، وكل سياسي رصين، فهولاء لم يجدوا من يسمع لهم.

المشعوذون السياسيون أكثرهم مشعوذون خبثا يعرفون الحقيقة، ولكنهم يخفونها لأن بضاعتهم تقوم على الشعوذة، وحالتهم تشبه حالة المشعوذين ممن يدعون علاج الأمراض المستعصية مثل الزنداني ومن على شاكلته؛ فهؤلاء يدركون أنهم كذابون. والدليل على ذلك؛ أنهم حين يمرضون يذهبون إلى أرقى المستشفيات وليس إلى مراكز الدجل الخاصة بهم. 

فيما بعض المشعوذين السياسيين، هم أقرب إلى الحالمون المستسلمون لأوهامهم ورغباتهم، والتي تحجب عنهم رؤية الواقع، رغم أن بعضهم يحمل درجات علمية رفيعة.

في اليمن بعد 2011 سادت فكرتان لتفتيت الدولة خطط لها المشعوذين الخبثاء وروج لها المشعوذين الحالمين. الفكرة الأولى تدعو إلى انفصال اليمن، وعودته إلى ما قبل 1990، والفكرة الثانية تدعو إلى قيام دولة اتحادية. إلى جانب هؤلاء كانت هناك فكرتان لمشعوذين خبثا: الفكرة الأولى تقوم على أن حل كل مشاكل اليمن، بل والمسلمين، لن يكون إلا بإعادة الولاية المغتصبة إلى "أل البيت" والفكرة الثانية تقوم على أن حل مشاكل اليمن والمسلمين لن تتم إلا بإستعادة دولة الخلافة، وإن كانت الفكرة الأخيرة قد تم تزيينها بمفردات حديثة مثل الدولة المدنية والديمقراطية وغيرها.

وفي هذه المقالة سنركز على زيف فكرة التفتيت، لأنها موضوعنا، وسنترك الحديث عن أفكار الأصوليين لمساحة أخرى.

وحتى لا يكون لمقالي هذا صيغة الكلام الإنشائي المرسل سأركز على زيف الأفكار التفتيتية في معالجة قضية محددة، ولكنها مهمة وتلامس حياة الناس، وهي قضية الكهرباء. وسأشير بالأرقام والحقائق الصادمة كيف أن توفير هذه الخدمة الضرورية لن تتوفر لليمنيين دون دولة مركزية صارمة أشد مركزية مما كانت عليه دولة علي عبدالله صالح الهشة. وستؤكد هذه الحقائق خطر الفكر التفتيتي الانفصالي أو الاتحادي، وفشله في توفير الكهرباء، وتحديدا في المحافظات الجنوبية. 

  • لا بأس من التأكيد على أن الكهرباء أهم مظهر من مظاهر الحضارة الحديثة، وبدون الكهرباء فإن الحياة تعود إلى ما قبل العصر الصناعي.

  • يبلغ إنتاج البحرين 5400 ميجاوات/ساعة، والتي لا تزيد مساحتها عن 700 كم2 وسكانها أقل من مليونين نسمة. فيما إنتاج الإمارات من الكهرباء يفوق 35 ألف ميجاوات/ساعة. و إنتاج مصر من الكهرباء تجاوز60 ألف ميجاوات/ساعة، أما السعودية فإن قدرتها لإنتاج الكهرباء تفوق 80 ألف ميجاوات/ساعة. في المقابل كانت القدرة الانتاجية لليمن في عام 2014 قبل انهيارها، لا تزيد عن 1200 ميجاوات/ساعة، ويشمل ذلك المحطات الحكومية والمحطات المستاجرة ومحطات شركات القطاع العام والخاص.

  • في الوقت الحالي لا تزيد الطاقة الانتاجية من الكهرباء في اليمن عن 1000 ميجاوات/ساعة، والذي يساوي 18% من إنتاج البحرين، وأقل من 3% من إنتاج الإمارات، وأقل من 2% من إنتاج مصر، وما يزيد قليلا عن 1% من إنتاج السعودية.  

  • يتم توليد ما يقارب 70% من الكهرباء في اليمن حاليا عبر استخدام الوقود البترولي، وهو أغلى المواد في إنتاج الكهرباء. ويتطلب هذا الأمر استهلاك أكثر من مليارين لتر من الوقود البترولي، وتصل قيمته وفقا لأسعار النفط الحالية بأكثر من 1500 مليون دولار. 

  • احتياج اليمن للكهرباء لسكانه المقدر بـ 32 مليون نسمة، بمقاييس دولة مثل مصر يتطلب أن تنتج اليمن ثلث الإنتاج المصري، كون عدد سكان اليمن يعادل ثلث تعداد سكان مصر تقريبا، وبلغة الأرقام ينبغي على اليمن أن تنتج 20 ألف ميجاوات/ساعة. كلفة إنتاج هذه الكمية تتطلب استثمار بحدود 15 مليار دولار لإنشاء محطات كهرباء تعمل بمشتقات البترول. إضافة إلى أكثر من 25 مليار دولار سنويا كلفة الوقود البترولي.

  • إجمالي الانتاج النفطي في اليمن لا يزيد عن 60 ألف برميل في اليوم في الوقت الحالي، ويمكن أن يصل إلى 100 ألف برميل يوميا بعد عدة سنوات في حال تم الاستثمار في الأبار المعطلة.

  • يصدر اليمن حاليا ما بين 50:40 الف برميل فيما يذهب الباقي للمصفاة المحلية. قيمة الصادرات من النفط الخام وفقا للأسعار المرتفعة للنفط قد تصل إلى 1.8 مليار دولار في السنة.

  • مدينة مثل عدن وضواحيها بسكانها الذي يقدر بـ 2 مليون نسمة يحتاجون كهرباء في فترة الصيف دون انقطاع بما لا يقل عن 1500 ميجاوات/ساعة، وللوصول إلى هذا الوضع يتطلب الأمر إنشاء محطات كهرباء بأكثر من مليار دولار، ووقود بترولي بما لا يقل عن 2 مليار دولار سنويا.

    اخبار التغيير برس
  • موارد مدينة عدن المحلية وفقا لميزانية 2014 كانت 3.6 مليار ريال والتي كانت = 17 مليون دولار، وهذا المبلغ لا يكفي وقود لكهرباء عدن لعدة أيام.

  • في المناطق التي لا تعمل فيها شبكة الكهرباء الحكومية مثل صنعاء والحديدة وتعز تبلغ قيمة كيلووات/ساعة أكثر من نصف دولار. بينما لا يزيد سعر الكيلو للاستخدام المنزلي في المناطق التي توجد فيها الشبكات الحكومية عن 2 سنت أمريكي. 

  • الحد الأدنى للكهرباء في اليمن، والذي يجعلها شبيهة بدول العالم الثالث يتطلب أن يكون الإنتاج في حدود 6 ألف ميجا، وهذا الرقم يتطلب توفر ما لا يقل عن 4 مليار دولار كلفة إنشاء المحطات، وهذا أمر صعب، ولكن الأصعب منه توفير ما قيمته 9 مليار دولار سنويا للوقود البترولي، وهذا رقم يستحيل توفره في الظروف الحالية، أو المستقبل المنظور.

مما ذكرناه من حقائق فإن اليمنيين بوضعهم الحالي لن يكونوا لديهم كهرباء مثل أقرانهم في الدول المتخلفة، وهم في وضع الانقسام ودون دولة مركزية قوية، والتي هي وحدها القادرة على إيصال الكهرباء في الحدود الدنيا لجزء معتبر من السكان. و لإيضاح ذلك نشير للمعطيات التالية:

  • يقدر احتياطي النفط المكتشف في اليمن بحدود 3 مليار برميل، واستخراج هذه الكمية يتطلب استثمارات ضخمة تقوم بها شركات عالمية، وفترة زمنية طويلة أقلها 10 سنوات كي يصل إنتاج النفط إلى نصف مليون برميل في اليوم. وقبل هذا حكومة مركزية قوية شبيهة بالحكومة السعودية أو المصرية. وكون اليمن في هذه الحالة فإن من شبه المستحيل أن تأتي شركات كبيرة لتستثمر في نفط اليمن، خاصة وأن الاستثمارات النفطية في العالم أصبحت في تناقص في الدول المستقرة، والتي تمتلك احتياطيات ضخمة.

 ولهذا فإن من يوهم الناس بعكس ذلك ليس سوى مشعوذ. والحقيقة المرة أن اليمن قد لا يُستخرج جزء كبير من النفط من أراضيه على الإطلاق، وما سيستخرج ستكون كميات قليلة وسيتم عبر شركات نهب تستخرجه بالشراكة مع أمراء الحرب.

  • أصبح توليد الكهرباء عبر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح رخيص جدا إلا أن توليد كميات كبيرة من الطاقة من هذه المصادر، يتطلب استثمارات أجنبية ضخمة، وفترة زمنية طويلة، وهذه الاستثمارات لن تأتي في بلد ممزق ودون حكومة مركزية قوية.

  • يقدر الاحتياطي المكتشف والمتبقي من الغاز في محافظة مأرب بحدود 250 مليار متر مكعب (9 تريليون قدم مكعب) والذي يعادل 1.1 مليار برميل نفط مكافئ. وقد تم تخصيص الجزء الأكبر من هذا الاحتياطي لمشروع تسييل الغاز في بلحاف، والذي كان يستهلك 12.5 مليار متر مكعب وفي حال تم توقيف هذا المشروع غير المجدي اقتصاديا لليمن، فإن كمية الغاز المتاحة ستوفر لليمن إنتاج 6 آلاف ميجاوات/ساعة لمدة 22 سنة على الأقل.

  • على افتراض أن اليمن أصبحت دولة مركزية، يوم غدا، مثل مصر أو السعودية، فإن بالإمكان إنشاء محطات غاز بقدرة 6 ألف ميجاوات/ساعة، تعمل بالطاقة المركبة بتكلفة لا تزيد عن 4 مليار دولار، وخلال فترة زمنية لا تتعدى 3 سنوات. ولتأكيد ما ذكرنا، أشير إلى أن الحكومة المصرية تعاقدت مع شركة سيمنز الالمانية في عام 2015 على إنشاء محطات كهرباء غازية بقدرة 14400 ميجاوات خلال 3 سنوات، وبتكلفة 6 مليار يورو. وقد تم إنجاز ذلك المشروع الضخم في فترة زمنية أقصر.

  • سيقول قائل لماذا الحكومة المركزية هي الوحيدة القادرة على إنشاء مثل هذا العمل؟ ولماذا لا يتم في ظل يمن اتحادي، أو دولة مركزية في الشمال بعد انفصال الجنوب؟. والجواب غير ممكن في الدولة الاتحادية؛ لأن الدولة الاتحادية لن تكون نسخة من دولة اتحادية مثل الولايات المتحدة أو المانيا، كما روج لها المشعوذين، ولن تكون حتى دولة اتحادية مثل نيجيريا أو العراق، أو حتى الصومال. الدولة الاتحادية في اليمن، وفي أحسن الأحوال، ستكون عبارة عن حكومة مركزية بدون سلطة فعلية، ودويلات جهوية، وأصولية متصارعة تابعة لهذه الدولة أو تلك. ونظام على هذا النحو يستحيل أن يُشيد مشروع ضخم مشترك لكل الدولة. 

حيث أن إنشاء محطة أو محطات كهرباء عملاقة في مأرب أو في المناطق التي ستمتد إليها أنابيب الغاز، يحتاج إلى حكومة مركزية صارمة، مثل الحكومة السعودية أو المصرية، قادرة على ردع كل من يقاوم المشروع تحت حجة أن هذه الموارد من نصيب قبائل المنطقة أو محافظة مأرب أو أقليم سباء الخيالي، أو من حصة الشمال. كما إن إنتاج الكهرباء عبر الغاز يتطلب إما أن تكون محطات الإنتاج قريبة من حقول الغاز، ومن ثم توزيع التيار الكهربائي عبر الأسلاك. وهذا لن يكون ممكن ما لم تكون هناك حكومة مركزية قوية قادرة على حماية الأسلاك، وردع كل من يفكر في قطع الأسلاك. أو عبر أنابيب تنقل الغاز من الحقول إلى محطات الانتاج، ومد الأنابيب وحمايتها يتطلب حكومة مركزية صارمة تمنع أي شخص من الاعتداء عليها.

أما القول بأن مثل هذا المشروع قد يتم من خلال حكومة مركزية صارمة في الشمال بعد انفصال الجنوب؛ فهذا القول صحيح في حال تم الانفصال بسلاسة وتكونت حكومة مستقرة في الشمال ذات سيادة وقادرة على فرض سلطتها على كل الشمال، وهذا الافتراض غير واقعي فالانفصال السلس غير ممكن، وحتى لو تم انفصال فعلي فإنه سيرافقة حالة من عدم الاستقرار في الشمال والجنوب، وسيتم من خلال تدخل خارجي كثيف، وهذا الوضع يعني حالة من عدم الاستقرار وضعف الحكومة المركزية في الشمال الأمر الذي سيمنع إنشاء مشاريع ضخمة، ومع ذلك يظل الشمال في وضع أفضل من الجنوب في استثمار الموارد المتاحة- وهذا موضوع يحتاج إلى ورقة أخرى-. 

الخلاصة أن اليمنيين لن يعرفوا الكهربا كبقية العالم في المستقبل، والمشكلة ليست بيد الحكومة ولا بيد العليمي أو الزبيدي أو "دول التحالف" المشكلة كما أوضحتها أكبر بكثير مما يتم ترديده، وحلها الوحيد وجود حكومة مركزية أشد وأقوى من الحكومة التي تم تم تدميرها بتخطيط منذ 10 سنوات من قبل مشعوذين خبثاء حققوا مصالحهم الخاصة و أوصلوا اليمن إلى هذا الوضع، ويعملون بكل جهدهم على بقائها دولة مفككة تحت دعاوى الإنفصال والدولة الاتحادية والبحث عن خرافات الولاية والخلافة.

ملاحظة: استبعدت ذكر المراجع في هذه الورقة لأنها لا تحتمل ذلك، ولكن على من يشكك في المعلومات الواردة فيها البحث عنها في جوجل. 

التغيير برس