التغيير برس

في الذكرى الأولى لرحيل العلامة العمراني ..وفاء مستمر لنهجه ودراسة جديدة عنه

في مثل هذا اليوم رحل شيخنا العلامة القاضي محمد بن اسماعيل العمراني ـ رحمة الله تغشاه ـ بعد حياة حافلة بالجهود العلمية والدعوية العظيمة ، حياة مليئة بالعلم والتعليم والإفتاء والتدريس ونشر العلم الشرعي والعمل في القضاء والشورى وإصلاح ذات البين والنصح لليمنيين .

لقد شعرت حين وفاته بأن جهود هذا العلم الشامخ والجبل الأشم والنهر المتدفق من العلم والخير يجب أن توثق وأنني يجب أن أنهض بهذه المهمة فتوكلت على الله وتفرغت لأشهر على كتابة حياة القاضي العمراني وتوثيق جهوده العلمية والدعوية ونشر قصصه التي لم تنشر وأثمرت هذه الجهود بعد توفيق الله وعونه عن كتابي " القاضي العمراني ـ رمز التجديد والوسطية في العصر الحديث ـ حياته وجهوده العلمية وقصصه التي لم تنشر ) والذي تكفلت مؤسسة أروقة للدراسات والنشر والترجمة بالقاهرة بطباعته وإصداره بطبعة فاخرة ، لقد شعرت حين صدوره بأن هذا أول جهد علمي حقيقي لي ، وأول إنجاز كبير في حياتي ، والحمد لله أولا وآخرا ثم الشكر لكل من وقف معي حتى خرج الكتاب إلى النور بتلك الحلة الرائعة والطبعة الفاخرة .

يمثل القاضي العمراني قامة علمية شامخة وعلم بارز من أبرز أعلام اليمن ، حيث يجسد الامتداد الأمثل لمدرسة شيخ الإسلام الشوكاني ـ رحمة الله تغشاه ـ ، كما تمثل حياته وجهوده قصة نجاح ملهمة فقد عاشَ القاضي العمراني في طفولته وشبابه تجربة مريرة في بيئةٍ شديدة التَّعصُّب المذهبي والتَّحجُّر الفكري ، وفي ظل حكم ملكي كرَّس ذلك الواقع المرير ، ومع ذلك فقد تجاوز كل هذه التَّحديات والعوائق وسعى للتَّعليمِ في المدرسةِ والمسجد ، ومن خلال قراءاته المكثَّفة لكتبِ شيخ الإسلام الشَّوكاني وعلماء اليمن من المجتهدين أمثال الجلال والمقبلي وابن الوزير وابن الأمير وغيرهم ، استطاعَ أن يتحرَّرَ من ربقةِ التَّعصُّب والتَّقليد ، وأن يتَّبع الدَّليل ، وأن يسير على نهْجِ الشَّوكاني وابن الأمير والجلال والمقبلي ونشوان الحميري وغيرهم ، حتى صارَ من أبرزِ علماءِ السُّنَّة في اليمن.

في بدايةِ طلبه للعلم كانَ يأخذُ الثَّمرة من الشَّجرة ويتجنبُ شوكها، أخذ العلم من مشايخ الهادوية وأغلبهم كانوا شديدي التَّعصُّب للمذهب ، كان يتغاضى عن تجاوزاتهم ، وإذا اضطرَّ للرَّدِّ عليهم يردُّ بأدب ، ويناقشهم بالحجَّة دونَ أن يصلَ إلى الخصامِ معهم أو يتطاول عليهم. 

وخلال فترة الأئمة واجه المتعصبين من المسؤولين والعامة الذين سعوا في أذيته والنَّيل منه، واجههم بحكمة، وسعى لتفويت الفرصة عليهم ، فزارَ الإمام أحمد في تعز ليعرفه بمذهبه فأُعجِبَ به الإمام وبذكائه وعلمه وسرعة بديهته ، لكنه لم يتمكَّن من استيعابه ضمنَ حاشيته فالقاضي العمراني صاحب مشروعٍ علمي كبير وليس طالب وظيفة. 

وبالرَّغم من أنَّ القاضي العمراني هو أول عالمٍ يعملُ على إحياء كتبِ ومخطوطاتِ شيخ الإسلام الشَّوكاني ويدرِّس كتبه في مساجدِ صنعاء، كما قام بتدريس كتب أعلام اليمن من المجتهدين الذين نبذوا التقليد والتعصب واتبعوا الدليل ورفعوا راية السُّنَّة في اليمن، وكل هذا كان في زمن الأئمة وفي زمن كان التعصب يبلغ ذروته من العوام ومن الأعيان ومن المسؤولين وبعض الأئمة؛ ومع هذا فقد استطاعَ تجاوز الكثير من الفِخاخ التي نُصِبَت له ، والتَّعامل بحكمةٍ مع المتعصبين وخصوصًا من العوام ، حتى بلغَ به الحال أحيانًا أن يُرسِلَ من يشتري حاجياته من السُّوق حتى لا يواجه المتعصبين الذين كالوا له تهم تخريب المذهب ومعاداة أهل البيت وغيرها من الاتهامات .

ورغم اجتهاد القاضي العمراني ورفضه للتَّقليد ، ودعوته لاتباع الدليل؛ فإنه لم ينعزِل بينَ الكتبِ وفي حلقات الدَّرس في المساجد والجامعات والمعاهد ، بل عاش في ذلك الواقع الصَّعب وعمِل على تغييره ، كما عمِل في مقامِ نائبِ الإمام وليِّ العهد محمَّد البدر ، فكان يعمل مع الأئمة دونَ أن يقرهم على باطل أو ظلم أو يتزلَّف إليهم وينافقهم كما كان يفعل الكثير من النَّاس .  

اخبار التغيير برس

وبعد قيامِ الجمهورية عمِلَ القاضي العمراني في ديوانِ المظالم, ومجلس الشُّورى ، ولم يكن يصمتُ على باطلٍ ، أو يسكتُ عن ظلم ، بل كان ينصحُ ويوجِّه ويعترض في مجلسِ الشورى ، ويتَّصِل بالرئيس ، والمسؤولين لإعاقة أيّ قرار يخالفُ شرعَ الله، ففي مجلس النُّواب (الشورى سابقًا) عمِل على مقارعة الفساد ورفض التشريعات التي لا توافق شرع الله ، كما عمل على صياغة تشريعاتٍ جامعة لليمنيين مستمَدَّة من الكتابِ والسُّنَّة متجاوزة للمذاهبِ والتَّعصبات ، وبهذا ، اشتغلَ القاضي العمراني للعملِ على فقه وتشريعات جامعة لكلِّ اليمنيين . 

وبالرَّغمِ من عمله الرَّسمي منذ عهد الأئمة ، وبعد قيامِ الجمهورية ، وبعد الحرب ودخول الحوثيين صنعاء؛ فقد ظلَّ يدرِّسُ حتى أقعده المرض ، كما ظل يفتي ، ويردُّ على استفسارات الناس ، وفتاواهم ، ويوجه وينصح ويقدم كل ما يستطيع دون انتظارِ شيءٍ من أحد.

هذا العالم المجتهد ،نَبذَ التَّعصُّب ، واستطاعَ أن يصبحَ المرجعَ الأول لأبناءِ اليمن من مختلفِ المذاهب والتَّوجهات، فلم يجمعِ النَّاس في اليمن على عالمٍ منذ وفاةِ شيخ الإسلام الشَّوكاني كما أجمعوا على القاضي العمراني ـ رحمة الله تغشاه ـ كانت فتاواه على جميعِ المذاهب ، فلم يتعصَّب يومًا لمذهب ، وإنما ظلَّ يدعو لجمعِ الكلمة ، ووحدة الصَّف ، ويدعو للسَّلام ووقف الحرب ، ونبذ الحزبية ، والتَّعصب ، والحرص على وحدة الأمة ، وتضييق مواطن الخلاف؛ ولذا كانت وصيته الأخيرة “لا تتحزَّبوا لا لحزبٍ ديني ولا لحزبٍ سياسي” هي وصية العالم المدرك لأمراضِ مجتمعه ، الحريص على معالجتها بفهمٍ وفقه يجمعُ ولا يُفرِّق. منهج القاضي العمراني الذي يقيمُ الجسور مع الجميع ويترفَّع عن التَّعصب المذهبي والمناطقي والسِّياسي؛ هو المنهج الذي سيمثِّل طوق نجاة لليمنيين ، وذلك بإرساءِ قواعد التَّعايش المذهبي ، والمناطقي ، والسلم الاجتماعي ، وإعادة تنقية التَّعليم والإعلام من بذور التَّعصب بشتى أنواعه؛ ليحافظ على هذا الجيل من أي عملية تفخيخ تستهدف عقلة وذهنه وتهدِّدُ حاضره ومستقبله .  

كون القاضي العمراني ـ كما قلنا سابقا ـ يمثلُ امتدادًا لمدرسةِ العلامة الشوكاني وعلماء اليمن من المجتهدين ممن ذكرناهم سابقًا ؛ فإنه بهذا الفقه والاجتهاد والفتاوى الوسطية والانفتاح على مختلفِ المذاهب يمثِّلُ ضرورة وطنية ، فهذه المدرسة التي انحازت للدليل وتجاوزت التَّعصبات, والتَّقليد ، لابدَّ أن تستمر كونها ترسي دعائم السِّلم والتَّعايش بينَ أبناءِ اليمن .

ولعلَّ الجيل اليمني الصَّاعد ، لا يدركُ حجم المشاكلِ والتَّحديات التي عانتها الأجيال اليمنيَّة السَّابقة وخصوصًا في السَّبعينات والثَّمانينات لدرجة أنه كانت تحدث حوادث قتل واشتباكات مسلحة إذا أذَّنَ المؤذن ولم يقل “حيَّ على خيرِ العمْل” ، ولذا فالضَّمانة بعدم العودة إلى تلك الإشكاليات الكبيرة الناتجة عن خلافاتٍ فقهية في الفروع ، وتجنب الاشتباك المذهبي والمناطقي والفكري؛ هو بالحفاظ على مدرسة العلامة العمراني كامتدادٍ لمدرسة العلامة الشَّوكاني وأئمة الاجتهاد في اليمن؛ فهي المدرسة التي جسَّدت الانفتاح الفكري ، وتجاوزت التَّعصب والتقليد ، واتبعت الدَّليل ، ومدَّت جسور التَّواصل مع الجميع ، وأرست دعائم التَّعايش والسَّلام والتآخي ، والاحتكام إلى كتابِ الله وسنته كمرجعيةٍ لكلِّ اليمنيين.    

وبهذه المناسبة فإنني أعدكم بأن أنشر الليلة دراسة جديدة عن العلامة العمراني لم تنشر من قبل ، بعنوان " العلامة العمراني ودوره في الإعلام " وهي دراسة بحوالي 15 صفحة مع المصادر والهوامش ، نسأل الله أن يوفق الجميع لكل خير ..

التغيير برس