التغيير برس

الضائعة ـ قصة قصيرة

مقابل منزل صديقي الطبيب أراها تقف دائما في ذلك المعرض تبيع ملابس ومستلزمات نسائية ، كلما مررت ورأيتها عن قرب وجدت في عينيها شيء يشدني إليها ، بريق غريب يأسرني ويجعلني أحلق بخيالي في آفاق من السعادة .

من غرفة المقيل أطيل النظر إلى المعرض ، يأتي إليها الزبائن وأغلبهم من النساء فتتحدث معهن ، أما الرجال فتعاملهم بجفاف ولا تطيل الحديث معهم ، وهذا ما زاد اهتمامي بها .

في المقيل يتحدثون في كل شيء ، أما أنا فأطيل الصمت والتركيز عليها وهي في المعرض ، تنبه لي رواد المقيل من الزملاء وبدأوا يطلقون النكات علي لكنني تجاهلتهم .

بدأت أذهب إليها كل مساء ، مرة أشتري قنينة من العطر لأختي ، وفي المرة الثانية أشتري علبة بخور لأمي ، كنت أحاول إطالة الحديث معها لكنها عاملتني بجدية وبشكل رسمي جعلني أراها فتاة مكافحة ومحترمة ، ومع هذا فقد بقيت أمر عليها كل مساء ، أقنع برؤيتها وأشتري أي شيء وأغادر .

أعود إلى سكن الطلاب العزاب وأظل أفكر أفيها ، لقد شغلت ذهني وتفكيري تماما .

وفوجئت بصديقي الطبيب يطلب مني في المقيل الحديث معه على انفراد ، ذهبنا إلى غرفة أخرى وبدأ يتحدث :

ـ أشوفك مهتم كثيرا بأمر الفتاة التي في المعرض

فاجأني بسؤاله فارتبكت وتلعثمت لكنه مضى يتحدث :

ـ شخصيا أعرف أهل الفتاة جيدا ، انهم من أقاربنا وهذه الفتاة محترمة جدا والكل يشيد بأخلاقها .

هممت بالحديث لكنه واصل كلامه :

ـ هي اضطرت للعمل في المعرض بعد وفاة والدها فهي تعول أمها وأخواتها الصغار .

هممت مرة أخرى بالحديث لكنه واصل حديثه :

ـ إذا كنت تريدها للزواج فأنني سأذهب معك إلى أهلها لخطبتها .

ـ لكني طالب بالجامعة ولا أمتلك إلا مصروفي الذي يصلني من أهلي بالقرية .

وفاجأني مرة أخرى :

ـ التكاليف لا تهمها سوف أناقشها معهم وأنت ستجد زوجة ومنزل وتعيش دون أن تدفع شيئا حتى تتخرج وتعمل .. ما رأيك ؟

شكرته كثيرا ووعدته بأن أفكر في العرض الذي قدمه لي وغادرت إلى السكن .

وغرقت في التفكير ووجدتني أفكر بشكل عاطفي وانتهز الفرصة التي قدمها صديقي الطبيب .

ذهبت إليه في اليوم التالي ووافقت على الزواج من فتاة المعرض فتواصل مع والدتها وخالها ورتب لنا لقاء في منزل والدة الفتاة وبحضور أخوالها حيث تناولنا الغداء معهم ، ودخلت الفتاة وقدمت الشاي ورأيت من قرب تلك العيون التي أسرتني وسلبت تفكيري وسيطرت على مشاعري .

وتم الترتيب للزفاف بعد أسابيع ، لقد مضى الأمر بسرعة وسهولة وأنا غير مصدق ما يحدث لي ، قلت لنفسي : هي مغامرة لن أخسر فيها شيئا .

اخبار التغيير برس

استأجرت شقة صغيرة من غرفتين ومطبخ وحمام وأقرضني الطبيب مبلغا كبيرا اشتريت به الأثاث على أن أسدده بالقسيط المريح ، وتم الزفاف .

كانت سلمى خجولة لا تتحدث إلا إذا سألتها ، بعد أيام بدأت تسألني عن أهلي وأسرتي فهي لم تر أحدا منهم فأخبرتها أن أهلي يريدون تزويجي بفتاة من أقاربنا ولذا قاطعوا زواجي .

وبعد أسابيع من الزواج فوجئت بها قد غادرت المنزل وعادت للعمل في المعرض فثار غضبي واتصلت بصديقي الطبيب ولكنه أخبرني أنني كان يجب أن أشترط عليها عدم العمل من البداية لأنها لا تستطيع ترك المعرض لإدارة خالها الذي سيلتهم كل شيء .

انتظرت بفارغ الصبر عودتها وحين عادت صرخت فيها وأفرغت عليها غضبي لتنزوي في ركن الغرفة تبكي بصمت فهدأت ثم اعتذرت لها وطلبت منها عدم الذهاب إلى المعرض فزاد في البكاء ، وأخبرتني أن خالها قد أختلس من المعرض مبلغا كبيرا من المال أثناء غيابها عنه ، وأنها لو تركت له المعرض فسوف ينتهي خلال أشهر وهو مصدر معيشة أسرتها فقبلت على مضض عملها في المعرض .

وذهبت إليها في المعرض فأدخلتني غرفة كبيرة ملحقة به وفيها حمام وباب خلفي فكنت أذهب إليها في المعرض ولا نغادره إلى الشقة إلا في المساء .

وذات مساء عدنا إلى الشقة فوجدنا الباب مكسورا ولم يتبق فيها شيئا ، لقد كسر اللصوص الباب وحملوا كل شيء .!

كارثة حلت علينا من حيث لا نتوقع ، ذهبنا إلى قسم الشرطة وقدمنا بلاغا وعدنا إلى المعرض ، وبتنا هناك واضطررنا لتسليم الشقة ، والمعيشة في الملحق الخاص بالمعرض فنحن بلا أطفال وفي بداية حياتنا الزوجية وعلينا الصبر والكفاح ..

بعد نهاية الدراسة في الكلية بدأت أعمل في مطعم لأسدد ثمن الأجهزة والأثاث المسروق من الشقة ، عملت نادلا في المطعم أنادي على الطلبات حتى بح صوتي وصار أشبه بصوت الكبش فصاروا ينادونني بـ " الكبش " ، أحسست بالإهانة فأنا مشروع طبيب ناجح لكنني اضطررت لهذا العمل المؤقت فصرت مسخرة للزبائن والعمال .!

عادت هي تعمل في المعرض كالعادة لتعول أسرتها ، نلتقي في المساء وقد هدنا التعب ، نتعشى ونتحدث قليلا ثم نغرق في النوم .

ومضت الحياة رتيبة مملة وبدأت أراها نحيلة وسمراء وتراني شاب عاطل وانتهازي لم يستطع توفير الحياة الكريمة لها ، وبدأنا نتشاجر ونختلف فغادرت المعرض وعدت للمبيت عند زملائي في سكن العزاب .

وأطلق الزملاء النكات والدعابات ضدي وأنا ساكت غارق في التفكير كأنني في وادي آخر ، وعدت للمقيل في منزل صديق الطبيب ، كنت أتحاشى النظر للمعرض ومحاولة نسيان ما حدث وبداية حياتي من جديد .

ومضت أسابيع وأشهر وذات مساء وأنا أتمشى على الساحل الذهبي بعدن إذ بشاب يقترب مني ويطلق من مسدسه ثلاث رصاصة أحسست كأنها اخترقت جمجمتي لأسقط مغشيا علي فوق رمال الساحل ، ولا أدري كم مضى من الوقت علي حيث أفقت أتحسس جسدي فوجدته سليما ففرحت لأنني لم أصب بأذى ، وأن الرصاصات كانت رسالة تحذيرية من جهة ما .

وفهمت الرسالة فهي منها بلا شك ، ولكنني ركبت رأسي وقررت أن لا أعود إلى المبيت معها في المعرض ، وجاءني الطبيب صديقي ، طلب أن نناقش الأمر كأصدقاء فأخبرته أنني عندما أسدد تكاليف الأثاث المسروق وأستطيع أن تأجير شقة وتأثيثها من جديد سوف أعيدها فأيدني في رأيي ، لكنه تعجب مني :

ـ لماذا لا أتفق معها على هذا الأمر ؟!

وأكد لي أنها سوف تتفهم وضعي وتصبر علي .

وبإلحاح منه ذهبت إليها في المعرض ودعوتها للعشاء في أحد المطاعم الفاخرة ، وتفاهمنا على الأمر ، كانت حزينة واجمة وقد زادت نحولا وسمرة ، وحين جئت أودعها انهارت باكية فأوصلتها إلى منزلهم ، وتحدثت مع والدتها التي طلبت مني أن أبيت في منزلهم فأكدت لها أنني الآن طالب في كلية الطب ولم يبق سوى عام على تخرجي ، وفي المستقبل ستكون لي عيادتي الخاصة ونجاحي وسأفتح منزلا وستكون ابنتها أميرة فيه ، وبقينا نتحدث حتى الصباح ثم غادرت إلى عملي وأنا بلا نوم ، وبقيت أعمل حتى سددت ثمن الأثاث ، وغادرت إلى القرية لأعود بعدها فأجد المعرض قد تحول إلى مطعم وذهبت إلى منزلها فوجدت أسرتها قد باعته ورحلت ، وصديقي الطبيب قد أيضا رحل إلى دولة خليجية للعمل فيها ، بحثت عنها في كل مكان فلم أجدها ، سألت عنها وعن أخوالها واهلها كل أهالي الحارة فلم يعرفها أحد .!

وما زلت إلى الآن أبحث عنها .!!

 

التغيير برس