التغيير برس

ملاحظات أولية على مدونة السلوك الوظيفي الصادرة عن وزارة الخدمة المدنية في صنعاء

سنحاول من خلال هذه المقالة تقديم ملاحظات أولية على أبرز نصوص (مدونة السلوك الوظيفي)، وعلنا نعود لطرح ملاحظات تفصيلية عليها إن أسعفنا الوقت وطال بنا العمر.. وسنورد تلك الملاحظات على شكل نقاط، ونأمل قراءة المقالة كاملة وبهدوء ليتضح المقصود الذي نرغب بطرحه من خلالها بعيدا عن أي تصنيفات مسبقة أو تصورات في هذا الاتجاه أو ذاك:

أولا: رغم أن المدونة اعتبرت الدستور اليمني والقوانين النافذة مرجعا لها إلا أنها لم تنص على أن أي نص من نصوص المدونة يعد ملغيا في حال تعارضه من نص من نصوص الدستور أو نص قانوني نافذ، وهو ما يجعل هذه المدونة في نظر معديها فوق الدستور وفوق القوانين النافذة.

ثانيا: طغيان النفس السياسي والمذهبي على بنود المدونة، حيث يتضح ذلك في أكثر من موضع فيها، مثلا: عنوان الإطار المرجعي للمدونة المذكور في العنوان خامسا من الفصل الأول، إلى جانب الحديث المتكرر في ثنايا نصوص المدونة عن الهوية الإيمانية، ويعرف الجميع التعريف المصبوغ بالانحياز المذهبي للهوية الإيمانية في كل المحاضرات والتعريفات التي تقدم لها، وكذلك البند الذي يتحدث عن الالتزام ب(مبدأ الولاية)، حيث وردت ضمن عنوان المسؤولية الشخصية للموظفين (ص21)، أما شرح هذا المبدأ فقد سمعناه كثيرا من على منابر المساجد ووسائل الإعلام، وصار الجميع يفهمون ما تقصده الجماعة بهذا المصطلح.

ثالثا: إيراد عبارات مطاطية تتحدث عن السلوك الديني والأخلاقي والالتزام بالفرائض الدينية، دون أن نعرف كيف سيتم تطبيقها على الواقع العملي، فتلك سلوكيات يصعب تتبعها والحكم عليها بحيادية، وستخضع لفكر ومزاج الجهة التي ستتولى التقييم ونظرتها الشخصية لهذا الموظف أو ذاك، ويفترض ربط الموظف بسلوك عملي مهني إبداعي يسهل مكافأته أو محاسبته عليه، فنحن بصدد تنظيم العمل في وحدات الخدمة المدنية العامة للدولة وليس بصدد إلقاء موعظة في أحد الجوامع.

رابعا: إهمال المدونة تماما الحديث عن الحقوق النقابية للموظفين، ما يفهم منه إيقاف النشاط النقابي لهم، وهو ما كان قد تم فرضه في الواقع العملي منذ سنوات، حيث تم تعطيل عمل النقابات التي كانت قائمة، ومنعها من عقد دوراتها الانتخابية، وتجميد حساباتها المالية وتوقيف توريد اشتراكات الأعضاء إليها، والتعامل مع هيئاتها الإدارية القائمة بمنطق التهديد والوعيد، ولعل نقابة أعضاء هيئة التدريس في جامعة صنعاء تنفع لتقديمها كنموذج بهذا الصدد.

خامسا: رغم حديث المدونة عن تهيئة ظروف عمل آمنة وصحية للموظفين (الفصل الثالث، عنوان التقييم السنوي للموظفين) إلا أنها لم تشر مطلقا لنظام التأمين الصحي كحق صريح من حقوق الموظف.. بل إن المدونة تحاشت تماما ذكر أي حقوق للموظفين، وورد فيها في الفصل الثالث الحديث فقط عن المسؤوليات والالتزامات والواجبات المترتبة عليهم.. وأشارت المدونة بشكل عابر لبعض حقوق الموظفين ضمن عنوان (التزامات وحدات الخدمة العامة تجاه الموظفين- الفصل الثالث).

سادسا: رغم حديث المدونة في عنوان (التقييم السنوي للموظفين- الفصل الثالث) عن معايير الشفافية والنزاهة المطلقة في تعيين الموظفين وترقيتهم ومكافآتهم وتقييمهم... الخ، بعيدا عن القرابة والصداقة والمنفعة، وفقا للاستحقاق والجدارة التنافسية، لكن إلقاء نظرة على أسماء كبار المسؤوليين في المؤسسات العامة وتفحص ألقاب أسرهم وانتماءاتهم السياسية والجهوية مع مخالفة كثير من التعيينات لضوابط القوانين النافذة المنظمة لها، سيجعلنا نقف أمام كلام ترويجي لن يجد طريقه للتطبيق.

سابعا: قدمت لنا المدونة في العديد من مواضعها كلاما عاطفيا يعرف الجميع أن التطبيق الواقعي يسير على عكسه تماما، على سبيل المثال يمكن مطالعة البنود الواردة تحت عنوان (مسؤوليات الموظفين تجاه المجتمع- الفصل الثالث) مثل البند الذي يتحدث عن عدم إثقال كاهل المواطنين بأي التزامات غير ضرورية، والبند الذي يتحدث عن عدم التصرف مع الجمهور بأي تصرف يجرح مشاعرهم أو يضرهم، وعدم التعامل معهم بقسوة أو غرور أو تكبر أو غلظة.... الخ، وما علينا لمعرفة التنظير العاطفي الوارد هنا إلا متابعة محصلي الضرائب والزكاة وغيرها من الإتاوات من المحلات التجارية بالطريقة التي يتابعها الجميع عيانا بيانا.. بل إن الشرط الأول لبقاء أي مسؤول في منصبه صار يتمثل بقدرته على توريد الأموال بكل الطرق الممكنة، ما جعل المسؤولين يتفننون في ابتكار طرق توريد بعضها تتعارض مع القوانين المنظمة.. وامتدت تلك التنظيرات العاطفية إلى الفصل الخامس الذي يتحدث عن تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد خصوصا في عنوان (عدم تضارب المصالح) حيث تحدثت عن أمور لا تملك إلا أن تبتسم غير مصدقا لها وأنت تقرأها، مع أننا نتمنى أن يطبقون كل ما ذكر، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

اخبار التغيير برس

ثامنا: وردت في الباب الرابع بنود عجيبة تكمم أفواه الموظفين عن نقد الأخطاء التي يشاهدونها في أماكن عملهم أو في غيرها، لدرجة منع التصريح أو المداخلة أو حتى التعليق في وسائل الإعلام وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، والغريب أنها لم تربط ذلك بمخالفة الدستور والقوانين النافذة، لكنها ربطته بما يخالف التوجه العام والمصلحة العليا، بمعنى ربطه بالتفسيرات المزاجية للمسؤولين وليس بنصوص واضحة يحتكم لها الجميع.. بل ووصل الأمر بالمدونة لمصادرة الحريات الشخصية للموظفين في متابعة وسائل الإعلام التي يريدون واشترطت عليهم متابعة وسائل الإعلام غير المعادية فقط، وطبعا السلطات هي من ستحدد المعادي من غير المعادي، وإن كانوا لم يخبرونا كيف سيتحققون من ذلك؟ وهل سيعطون بموجب هذا البند لأنفسهم حق التجسس والتنصت على الموظفين داخل منازلهم ليعرفو وسائل الإعلام التي يتعاملون معها؟!

تاسعا: رغم خطورة الملاحظات السابقة التي ذكرناها أعلاه إلا أن أخطر البنود التي وردت في المدونة هي تلك البنود التي تريد أن تجعل من الموظفين مجرد روبتات في خدمة الجماعة الحاكمة وسياساتها ورؤاها، في مصادرة واضحة لحقوق المواطنة والشراكة الوطنية وفرض رؤاها الأحادية بشكل إجباري لتكون ملزمة لجميع الموظفين، فهي تنص في الباب الثالث ص21 على وجوب تبني الموظفين المواقف الواضحة من أعداء البلد والأمة (طبعا وفق نظرتهم هم للأعداء والأصدقاء)، والاشتراك بفاعلية في أنشطة التعبئة العامة (يعني تحويل الموظف لعسكري خارج مهام وظيفته المحددة)، والتعامل الجاد مع الدورات الثقافية والبرامج التربوية (المقصود بها دوراتهم التنظيمية السياسية والمذهبية المعروفة وإجبار الموظفين على حضورها)، ما يعني حسب قول البعض عبودية جديدة بمصطلحات عصرية.

عاشرا: لا يقل خطورة عما سبق نص المدونة في الفصل الأول (عنوان: ضمانات تطبيق المدونة) وفي الفصل السادس والأخير المخصص للاحكام الختامية بضرورة الربط الوثيق بين مدى الالتزام بأحكام ومواد المدونة وإجراءات تقييم أداء الموظفين في أي موقع إداري، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب فيما يتعلق بالالتزام بالمدونة من عدمه، ونصهم على أن مدونة السلوك تعد ميثاق عمل ملزم لكل الموظفين، ويتوجب على كل موظف عام توقيع تعهد بالالتزام  بهذه المدونة ويتم الاحتفاظ بنسخة من التعهد في ملفه الوظيفي، فإذا ربطنا ذلك بالحصر السياسي والمذهبي الذي تضمنته بعض نصوص المدونة سندرك بعد الموقف وخطورته.. وهو ما يجعلنا نذكر بأن أي تيار حاكم (كائنا من كان) هو مجرد مدير للدولة وفقا للثقافة الجمعية لكل الطيف المجتمعي وليس مالكا للدولة يجيرها لنفسه كيف يشاء! مع تذكير أصحاب هذه المدونة بمطالباتهم الكثيرة بحقهم في الشراكة عندما كانوا خارج السلطة.

أخيرا: من واقع الملاحظات التي ذكرناها، خصوصا في البندين تاسعا وعاشرا، سيتضح بأن الموظفين العموميين في المؤسسات العامة التابعة لحكومة صنعاء سيتم وضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما التحوث والإيمان بكل الأفكار والتوجهات السياسية والمذهبية للجماعة الحاكمة التزما بنص المدونة التي أشرنا لبعضها، وإما الفصل من الوظيفة بذريعة مخالفة نصوص المدونة في حال عدم التزامهم بالبنود التي تكرس فكر الجماعة وثقافتها، خصوصا والمدونة قد نصت بأن مخالفة أحكام المدونة أمر يستوجب اتخاذ الإجراءات التأديبية والجزائية، وطبعا سيتم تعيين البديل للموظف المفصول من بين صفوف الجماعة أو مؤيديها المؤمنين بكل أفكارها، كون المدونة قد نصت في فصل الأحكام الختامية بأن التسليم بكل بنود المدونة والتوقيع عليها شرطا لاستكمال أي توظيف أو تعيين جديد لشغل الوظيفة العامة.

 نداء ختامي: الوطن اليمني هو وطن لكل أبنائه بمختلف مكوناتهم السياسية والمذهبية والجهوية والاجتماعية... الخ، والوظيفة العامة في مؤسسات الدولة اليمنية هي أيضا كذلك، ولا يحق لأي طرف سياسي كائنا من كان احتكارها لنفسه أو إخضاعها لشروطه ورغباته، ويظل الدستور والقوانين النافذة الصادرة بشكل دستوري سليم هي الحكم بين كل المواطنين بمن فيهم الموظفين العمومين، ولكل مواطن انتماؤه والوطن يتسع للجميع.. فهل ما يزال هناك متسع لأن نأمل إعادة النظر في بعض البنود المجحفة التي اشتملت عليها هذه المدونة؟ أم أن شهية الامتلاك والاستحواذ قد صارت أكبر من أن تقاوم، وبدلا من بكائنا سابقا على تسيسس المناصب الإدارية العليا سنظل نبكي من الآن وصاعدا على تسييس ومذهبة كل مفاصل الوظيفة العامة من أكبر وظيفة إلى أصغر وظيفة؟! بما يعنيه ذلك من مصادرة لحقوق المواطنة وهو ما سيجعل الصراخ يعلو لأن الموظفين ليسوا مجرد دمى أو عبيد يبصمون وعيونهم مغمظة، وحتما المنظمات الدولية المختصة بحقوق الإنسان وكرامة العاملين لن تقف متفرجة في حال الإصرار على مثل ذلك الحيف الواقع بحق الموظفين اليمنيين.. ومن الله نسأل الهداية والتوفيق للجميع إلى طريق الحق والصواب ونحن منهم.

 

 

التغيير برس