التغيير برس

المناضل الإنسان.. يحي محمد الشامي

عرفته في مدينة القاهر، عاصمة الأمة العربية في ذلك الحين، في نهاية عام 1961م، بعد التحاقي بالمدرسة السعيدية الثانوية، الواقعة قرب جامعة القاهرة. وكان حينها طالباً في الجامعة وعلى رأس تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي، للطلاب اليمنيين في مصر، مع زين السقاف وسيف أحمد حيدر، رحمهما الله. شاباً متألقاً متوازناً دمث الخلق مستقيم السلوك محبوباً بين رفاقه وبين المختلفين مع حزبه، نظراً لبساطته وتلقائيته وصدقه وصراحته غير الجارحة، في تعامله مع الآخرين. وكان واحداً من عشرة طلاب غادروا القاهرة إلى صنعاء للمساهمة في دعم ثورة 26 سبتمبر 1962م، بعيد قيامها. ثم عاد بعد فترة وجيزة، مع من كان قد غادر معه، من الطلاب البعثيين، بناءً على نصيحة من الشهيد محمد محمود الزبيري، الذي ساوره القلق عليهم، في صنعاء، بعد وصول المرحوم عبد الرحمن البيضاني، وتقلده مناصب رفيعة، وضيقه بوجود الطلاب البعثيين في صنعاء، الذين لم يكن على وفاق معهم في القاهرة.

ولن أسترسل في استعراض التاريخ الوطني لهذا الرجل المعروف بنضاله الطويل وبشخصيته المتميزة وأخلاقه الراقية، وعلاقاته الانسانية بكل الناس وبكل الأطياف، المتفقة معه والمختلفة، فهو شخصية غنية عن التعريف. كانت طهارته ونزاهته ونكران الذات الذي تميز به، سبباً لما يعانيه اليوم، من وطأة المرض وقلة ما باليد.

هذا الرمز الوطني الكبير، بتاريخه النضالي المعروف، يرقد الآن طريح الفراش، مثقلاً بالديون وبتكاليف العملية والعلاج، التي عجز عن تسديدها. ويتجاهل محنته الكثيرون من رفاقه وزملائه وأصدقائه، وتبدو الجهات الرسمية، في كل من صنعاء وعدن، وكأنها غير معنية، برجل أفنى عمره كله من أجل اليمن، ولم يفكر يوماً بنفسه وبأسرته، حتى عندما عرضت عليه إحدى الجهات أن تصرف له راتباً، يليق بمكانته وتاريخه، رفض ذلك، إلا إذا صرفت رواتب كل موظفي الدولة ومعاشات كل المتقاعدين. هل يوجد في هذا الزمان رجل يمكن أن يفكر بالآخرين على هذا النحو، ويتخذ موقفاً كهذا الموقف؟  

لقد عبر أفراد من أسرته عن استيائهم، رغم ظروفهم الصعبة، عندما كتب بعض أصدقائه ورفاقه عن محنته وعن وضعه الصحي، ورفضوا بكبرياء أن يتحدث أحد عن محنته أو يطلب العون من أي جهة. أسرة رباها على القيم التي التزم بها وحكمت سلوكه وعلاقاته طوال حياته. ولكن هل يمكن لهذا الاستياء أن يمنعنا جميعاً أن نوجه اللوم إلى حزبه، وهو رمز كبير من رموزه وعضو في أعلى قيادة فيه (المكتب السياسي)، وأن نوجه اللوم إلى السلطات المتعددة في اليمن، في صنعاء وفي عدن، وحتى إلى السلطات اليمنية المهاجرة خارج اليمن، على هذا التقصير الذي لا يغتفر، في حق رمز وطني كبير، بحجم يحى محمد الشامي، يعرفه كل مسؤول وكل من كان ذات يوم مناضلاً، أو محسوباً على النضال، على امتداد اليمن الكبير. فهل ثمة صحوة ضمير؟ إن المناضل الكبير يحي الشامي، لا ينتظر أن تودع له أرصدة في البنوك، وهو الذي لم يفتح له حساباً في بنك من البنوك طوال حياته، ولا ينتظر أن تُشترى له بيوت وعقارات. وفي الواقع هو لا ينتظر شيئاً، ولا يريد أن يتحدث أحد عن مرضه وعن ظروفه ومعاناة أسرته. ولكن أصدقاءه ورفاقه لا يستطيعون أن يصمتوا طويلاً، وهم يشاهدون وضعه ويرقبون حالته، دون أن يستطيعوا فعل شيء. فكل ما يملكون هو الكلمة الصادقة التي يجب أن تقال، والصوت المشبع بالألم الذي يجب أن يرفع. ولا أحد منا ينتظر من الحزب ومن الجهات المسؤولة، في صنعاء وعدن، أكثر من أن تؤدي واجبها تجاه هذا الرمز الوطني الكبير، على نحو محدد وواضح، نوجزه بالآتي:

1. تحمل نفقات علاجه، وهي نفقات يومية مستمرة، منذ دخوله المستشفى في بداية شهر اكتوبر الماضي، ثم خروجه منه، لعدم توفر المال.

اخبار التغيير برس

2. تسديد ما تبقى عليه من مبالغ للمستشفى، ما زالت مسجلة عليه، بضمان من أحد أقاربه.

3. إطلاق راتبه الشهري، أو تخصيص مبلغ شهري كاف لتأمين معيشته ومعيشة أسرته.

فهل ما نطلبه كثير؟ ونحن نعلم أن مبالغ طائلة تصرف من الجهات الرسمية المختلفة، هنا وهناك، في أشياء غير ضرورية، وتعطى لأشخاص لا يعانون من الأمراض وقلة ما باليد، كما يعاني هذا الرجل، الذي أفنى عمره من أجل اليمن.

 

التغيير برس