التغيير برس

اليوم تحققت أمنيته في الرحيل

قبل ما يزيد على أربع سنوات ونصف، أعلن الأستاذ الأكاديمي الأديب الشاعر الكبير، عبد العزيز المقالح، رغبته في الرحيل في قصيدة مبكية، مطلعها:

أنا راحل حتماً 

فما الداعي إلى تأجيل موتي؟

وكأنه كان يستعجل الرحيل، من عالم كريه لم يعد البقاء فيه يغري العقلاء. عانى خلال السنوات الماضية من وطأة المرض ومن قسوة الحياة في يمن دمرته الحرب، ومزقه أبناؤه الأشقياء، ولم يتركوا فيه مكاناً لأمثال عبد العزيز. تفشت الشرور وتقلصت مساحة الخير، تعمقت مشاعر الكراهية وكادت تتلاشى مشاعر الحب والإيثار وإنكار الذات وحب اليمن وأبنائه جميعهم. 

عزف عبد العزيز على أوتار قلبه نغمات الحب والعشق لليمن، ثم غادرت روحه هذا اليمن، وهو في أسوأ حالاته، أبناؤه يتقاتلون فيما بينهم، في سبيل مشاريع ليست مشاريعهم، ومن أجل قضايا، أبعد ما تكون عن أحلامهم وطموحاتهم الوطنية، التي روى نبتها عبد العزيز وأمثاله من الطيبين الحالمين، الذين اغتالت أيادي السوء أحلامهم، وحولتها إلى كوابيس مرعبه، تطارد اليمنيين حيثما كانوا في داخل اليمن وفي الشتات. 

عبد العزيز الناي الذي غنى لليمن طويلاً اختنق صوته، وأضحى الموت أحب إليه من حياة يشاهد فيها وطنه مستباحاً وأبناء وطنه قتلى ومعوقين وجائعين ومشردين في الداخل والخارج. لهذا تصاعد من وجدانه ومن أحزانه صوته المخنوق: أنا راحل حتماً، فما الداعي إلى تأجيل موتي؟ وها هي أمنيته اليوم تتحقق، ورحيله يكتمل، فيودع عالماً كريهاً، أضحى الموت فيه أحب إلى العقلاء من الحياة.  

عندما أطلق أمنيته في الرحيل، حزن كل أصدقائه وزملائه. لأن كلماته كانت تعبر عن لسان حالنا جميعاً. ومع ذلك كنا نكابر، ونطلب تأجيل رحيله:

الموت حقٌّ والبقاءُ سرابُ

فإذا ادلهمَّتْ فالرَّحيلُ صوابُ

لن يمنعَ الموتَ المحقق _ إن أتى _ 

أهلٌ ولا يثني الرَّحيلَ صِحابُ

أفصحتَ عن مكنونِ نفسِكَ عندما

ضاقت بكَ الدُّنيا وعزَّ جوابُ

أبكيتنا هلاَّ انتظرتَ رحيلَنا؟

جمعاً سنرحلُ كلُّنا أحبابُ

اخبار التغيير برس

أجِّلْ رحيلكَ لستَ وحدكَ راحلٌ

قد هُيِّئت لرحيلِنا الأسبابُ

لكنْ لنرحلْ دون يأسٍ معلَنٍ

فعلى خطاكَ غداً يسيرُ شبابُ

أنت الَّذي رسمَتْ يراعُكَ حلمَه

وعلى يديكَ تفتَّحتْ أبوابُ

اكملْ رسالتكَ الَّتي حُمِّلتَها

واصبرْ، فللصِّبرِ الجميلِ ثوابُ

وهل يملك الإنسان خيار المغادرة أو البقاء، التعجيل أو التأجيل؟ رثاه الكثيرون، وهو حي، وأهمله الكثيرون، وهو رهين منزله لسنوات، يعاني من وطأة المرض وخيبات الأمل ودمار الوطن وانتحار الأحلام والطموحات الكبيرة. 

رحمة الله تغشاك أيها السبتمبري الأكاديمي الأديب الشاعر، فخر اليمن واليمنيين، وأسكنك فسيح جناته. وإلى أن نلتقي قريباً، لك كل الإعزاز والحب وأنت تغادرنا، كما كان لك كل الإعزاز والحب، وأنت حي بيننا. 

صنعاء، 28 نوفمبر 2022م.

 

 

 

التغيير برس