التغيير برس

المقالح كما عرفته

في أواخر عام 2009م التقيت بالدكتور عبد العزيز المقالح بشكل مباشر في مكتبه كرئيسا لمركز الدراسات والبحوث اليمني الكائن في شارع بغداد في العاصمة صنعاء، التي عشقها الفقيد كعشق قيس ليلى وجميل لبثية. كنت حينها عائدا من الهند بشهادة الدكتوراه ولا املك اي وظيفة. القيت السلام على فقيد الوطن الكبير وقدمت له طلبا مكتوبا للحصول على وظيفة كباحث في المركز بدرجة استاذ مساعد. في ذلك العام كانت هناك درجة واحدة فقط ينتافس عليها اكثر من خمسة اشخاص وجميعهم يحظون بواساطات كبيرة الا انا بدون وساطة.

اخبرت الفقيد العظيم انني لا املك وظيفة سابقة كما هو حال بقية المتقدمين الذين كان لديهم وظائف عادية ويرغبون بالحصول على وظيفة اكاديمية. حينها تجلت انسانية الفقيد الكبير في ابها صورها وقطع على نفسه عهدا ان لا يمنح الوظيفة لاي شخص اخر مهما كانت الوساطات. اخبرني قبل اصدار القرار بفترة وجيزة ان الدرجة ستذهب الى احد المتقدمين الذي تخصصه صحافة وكنت انا الوحيد من يحمل الدكتوراه في الصحافة من بين كل المتقدمين، بهذه الحجة فرض الراحل قراره في المجلس العلمي واصدر قرار التوظيف لصالحي رغم المنافسة الشديدة ورغم معارضة نواب رئيس المركز وضغوطات الوساطات. هذه حالة واحدة فقط من الجوانب الانسانية في حياة الراحل العظيم الدكتور عبد العزيز المقالح.

المقالح كما عرفته ثوريا من الطراز الاول وطنيا وقوميا وانسانيا من الطراز الرفيع. كان يصر بشكل كبير على احياء المناسيات الوطنية كل عام وهي اقامة ندوة علمية عن الثورة السبتمبرية والاكتوبرية واحياء ذكرى الوحدة اليمنية الخالدة. كان المقالح سبتمبريا شامخا واكتوبريا مهابا ووحدويا صامدا رغم البلاء الذي حل بشعبنا ووطننا العظيم. في احد الايام وصل الى قاعة مركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء وفد من مؤسسة العويس الثقافية لتكريم الراحل المبدع بفوزه بجائزة المثقف العربي. واثناء التكريم تحدث رئيس الوفد اننا قد جئنا من الامارات العربية المتحدة الى صنعاء لتكريم الدكتور عبد العزيز المقالح لانه قد قطع على نفسه عهدا ان لا يغادر اليمن حتى يموت ويدفن في ترابها. هنا تتجلى عظمة الفقيد وحبه لوطنه.

لن اتحدث عن ابداعات الفقيد ومواهبه واسهاماته الشعرية وكتاباته السياسية والثقافية فهو علم كبير، كيف لا وهو اديب اليمن وشاعرها وواحدا من رموز الوطن العربي الكبير، ولكني سأتحدث عن تواضعه وسماحته وهدوءه الذي يشبه الصمت. في اجتماعات المجلس العلمي للمركز ترتفع الاصوات في كثير من الاحيان خاصة عند مناقشة القضايا الخلافية، وكان الوحيد الذي لا يرتفع صوته اطلاقا هو الفقيد رحمة الله عليه فقد كان يغلب جميع الاصوات بهدءه ويحسم الجدل بكلامه اللين والهادئ وصوته الدافئ ولغته الرفيعة الى درجة اننا كنا نخجل من انفسنا. رحم الله فقيدنا العظيم وتغمده بواسع رحمته.

اخبار التغيير برس

باحث وكاتب

[email protected]

 

التغيير برس