التغيير برس


حرية الصحافة في اليمن والقمع

بقلم: عبدالباري طاهر

 

بمقدار استمرار الحرب واستطالتها في اليمن، يستمر قمع الحريات الصحفية والتنكيل بالصحفيين، ويشتد. فمع بداية الحرب في 2018، اعتقل أنصار الله (الحوثيون)، في صنعاء، ما يزيد على 30 صحفياً، بطريقة الاختطاف، وجرى إخفاؤهم قسرياً لبضعة أشهر.

خلال الأعوام الـ5 الفائتة، جرى الإفراج عن بعضهم، والشهر الماضي، قُدم الصحفي نبيل محمد محمد السيجاوي، للمحاكمة، متهماً بالخيانة العظمى، والتواصل مع العدو، حسب بيان الادعاء، وحددت في المحكمة التخصصية جلسة لمحاكمة 13 صحفياً، بينما عقدت جلسة أخرى في هذا الشهر لمحاكمة الزميل نبيل السيجاوي.

حضرت مع الزميل أحمد الحاج، مراسل وكالة “أسوشيتد برس”، ومحامي الصحفيين الأستاذ عبدالمجيد صبرة، ولكن أجلت الجلسة لأسباب غير معروفة. ولايزال الصحفيون الـ13 مسجونين منذ العام 2015، بعد أن تعرضوا للإخفاء لبضعة أشهر، وتعرضوا -كما يقولون- للتعذيب، والحرمان من الزيارة والتطبيب والغذاء والحياة اللائقة، والتهديدات المستمرة.

لم تكن الحالة بأفضل في مناطق الشرعية، أو المحررة كما يقال؛ فالاعتقالات والإخفاء والتنكيل بالصحفيين قاسم أعظم ومشترك بين أطراف الحرب، كل أطراف الحرب.

محامي الصحفي عبدالحافظ هزاع ثابت الصمدي، والذي حضر إحدى جلسات محاكمته، يقول: إن جسمه كان هزيلاً، وعظام وجهه بارزة، ومظهره الخارجي يدل دلالة قاطعة على نوع المعاملة القاسية واللاإنسانية والحاطة بالكرامة، ويدل على التعذيب الجسدي والمعنوي الذي تعرض له خلال فترة اعتقاله، وقد ظل مختفياً قسرياً لمدة 3 أشهر ونصف، وقد تكلم الصحفي بأنه يعاني من القولون، والضغط، وضيق التنفس، وورم في الظهر، ولم تتم معالجته.

قُدم الصحفي الصمدي للمحاكمة بتهمة الخيانة، وتعلل الحراس بعدم وجود المفاتيح لفك القيود من رجليه. وطالب المحامي بإطلاق سراحه بضمان، نظراً لحالته الصحية، داعياً نقابة الصحفيين اليمنيين، ومنظمات حقوق الإنسان، إلى المطالبة بإنقاذ حياة الصحفي.

اخبار التغيير برس

نقابة الصحفيين -كدأبها- قدمت تقريرها السنوي عن الانتهاكات ضد الحريات الصحفية، والاعتداءات ضد الصحفيين، للعام 2019. وقد رصدت في تقريرها 134 حالة انتهاك.

يشير التقرير إلى الأوضاع الخطيرة التي تعيشها حرية الرأي والتعبير في اليمن، ووجود بيئة عدائية تنتهج سياسة العنف والقمع تجاه الصحافة والصحفيين. فالانتهاكات ارتكبتها أطراف عديدة من أطراف الصراع. وقد تنوعت الانتهاكات بين الاختطاف (31 حالة)، والاعتداءات (24 حالة)، والمحاكمات والتحقيقات (23 حالة)، والمنع من التغطية الصحفية (13 حالة)، والتهديد والتحريض (11 حالة)، وحجب المواقع الإلكترونية (10 حالات)، ومصادرة الصحف وممتلكات الصحفيين ( 5 حالات)، وحالات القتل بنسبة 1.5%.

ويشير التقرير المفجع إلى أن مختلف الأطراف تشترك في اقتراف جرائم الانتهاكات ضداً على الصحافة والصحفيين، ويحدد نسب هذه الانتهاكات، ونصيب كل طرف من أطراف الحرب، من هذه الانتهاكات بالغة الضرر والخطورة. الأخطر أن كل الأطراف، وتحديداً سلطة الأمر الواقع (أنصار الله -الحوثيون) والشرعية، كليهما ضالعان، وإن بنسب متفاوتة، في هذه الانتهاكات، ويتشاركان في العداوة لحرية الرأي والتعبير، واعتبارها خطراً يهدد الفساد والاستبداد، ويشهد على جرائم الحرب ومآسيها.

قطع مرتبات الموظفين والصحفيين والإعلاميين، يتقاسمها طرفا الحرب، وهي أم الجرائم كلها، تتناسل بها ومنها كل جرائم القتل، وتفكيك البنيان، وتمزيق النسيج المجتمعي، وفقدان الأمان والاستقرار، وانتشار الأوبئة الفتاكة، وغياب التطبيب، وتكون الحريات الصحفية والصحفيين كشهود، أول ضحايا جرائم الحرب.

تقرير نقابة الصحفيين الدوري والسنوي، مهم في التوثيق ضداً على جرائم الحرب التي تطال الصحفيين والإعلاميين والمجتمع ككل. في اليمن يغيب التوثيق لجرائم الحرب وللانتهاكات التي تطال كل جوانب الحياة، وتمس حقوق الإنسان، وقد بذلت محاولات كاثرة للمطالبة بتشكيل لجنة دولية محايدة ومستقلة للتحقيق في جرائم الحرب. وقد وقف أطراف الحرب والقوى الإقليمية ضد تشكيل هذه اللجنة، رغم أن المجلس الأعلى لحقوق الإنسان كان من أقوى المطالبين بتشكيلها.

تقرير النقابة الصحفية عن الانتهاكات راعب، مع أنه لا يتقصى كل جرائم الحرب ضد الصحافة والصحفيين؛ فهناك العشرات من الانتهاكات غير مدونة، ويخاف الكثيرون من الصحفيين والإعلاميين، من الإبلاغ عنها. كما أن تعطيل الحياة الصحفية والإعلامية في عموم اليمن، هو السائد. وإذا كانت كارثة الحرب قد طالت المجتمع اليمني كله، فإن نصيب الصحفيين وافر وكبير، وقد رصدت النقابة منذ بداية الحرب مقتل 35 صحفياً.

المشاهد

التغيير برس