التغيير برس


هل اكتملت أسباب وعوامل سقوط مأرب بأيدي الحوثيين ؟ ( تحليل )

محمد مصطفى العمراني

 

قبل أيام أطلق مستشار محافظ الجوف وأبرز مشايخ دهم بالجوف الشيخ سعيد بن مقعس المظفري مناشدة لقيادة السعودية والشرعية محذرا من الوضع الخطير في مأرب بعد سقوط معظم مناطق الجوف بأيدي الحوثيين واقتراب الحوثيين من مأرب .

تصريحات الشيخ المظفري مثلت مكاشفة هامة حيث أعترف فيها بحقائق خطيرة ووضح أسباب سقوط مناطق الجوف وبعض مناطق مأرب بأيدي الحوثيين حيث سجل براءة وقدم شهادة التاريخ ولكن تلك التصريحات لم تأخذ حقها من النقاش والتفاعل ..

كما يبدو لي أن هذه المناشدة التي أطلقها الشيخ المظفري هي النداء الأخير والصرخة التي وقعت في وادي غير ذي زرع وضاعت كصيحة في صحراء فالواقع على الأرض يؤكد بأن لا جديد قد تغير لصالح الشرعية وقوات الجيش الوطني والتي تتموضع منذ سقوط مدينة الحزم عاصمة محافظة الجوف في موقع الدفاع وتواصل التراجع بينما موازين القوة تميل لصالح الحوثيين لعوامل عديدة .

 الحوثيون الذين يتطلعون لما هو أبعد من مأرب قد انتعشت آمالهم وارتفعت معنوياتعم بعد الانتصارات والمكاسب التي حققوها هم الآن في موقع الهجوم وقد تقدموا إلى المرازيق وهناك أخبار عن سقوط معسكر لبنات في الجوف بأيديهم وفي حال تأكد خبر سقوطه يصبح الطريق ممهدا للحوثيين للوصول إلى مأرب آخر حصون الشرعية خاصة وأن الحكومة الشرعية والتي تشهد استقالات متتابعة لوزرائها تمر بمرحلة غير مسبوقة من التآكل والضعف بسبب دخول قيادتها في مرحلة الموت الاكلينيكي وفقدان القرار والتبلد والغياب في سراديب وأجنحة فنادق الرياض .

مؤشرات الواقع الميداني تؤكد أنه اذا استمر الوضع الراهن فإن سيطرة الحوثيين على مأرب ستغدو أمر حتمي ومسألة وقت فمثلما كانت عمران درع صنعاء في 2014م فإن الجوف هي درع مأرب في 2020م إلا اذا حدثت صحوة لدى قيادة التحالف والشرعية والجيش الوطني وتم تغيير الإستراتيجية الميدانية لقوات الجيش والوطني والمقاومة والقبائل الداعمة له وتمت معالجة الأخطاء وتصحيح الاختلالات التي حدثت في الماضي وأدت لسقوط نهم ثم مدينة الحزم وبقية المناطق في الجوف وبعض مناطق مأرب بأيدي الحوثيين وتم اتخاذ خطوات تصحيحية وإجراءات فعلية تغير من موازين القوة على أرض الواقع وهذا أمر مستبعد ولكنه وارد الحدوث إذ ان خسارة مأرب يعني خسارة الشرعية لأهم حصونها ومواردها ولعاصمتها الفعلية وللمحافظة التي تزخر بالثروات النفطية والغازية وفيها محطة الكهرباء ومقر قيادة قوات التحالف ومقر قيادة وزارة الدفاع ومقرات الجيش الوطني وقيادته ومخازن السلاح وفي حال سقوطها بأيدي الحوثيين فستكتمل سيطرة الحوثي على شمال اليمن وستشكل أكبر انتصار حققه الحوثيون منذ سنوات وسينحصر وجود الشرعية في محافظة شبوة ووادي حضرموت وحتى هذا الوجود سيصبح تحت تهديد مليشيا الانتقالي المدعوم من الإمارات بل ان سقوط مأرب سيفتح شهية الانتقالي لمواصلة السيطرة على بقية مناطق الجنوب ضمها لسلطته فالانتقالي الآن يرفض تنفيذ اتفاق الرياض ويراقب ما يحدث في مأرب والجوف اذ في حال سقوط مأرب فإن الانتقالي سيتخلى بشكل كامل عن هذا اتفاق الرياص وسيحاول فرض واقع جديد والسيطرة على بقية مناطق الجنوب بالقوة أو إبرام اتفاق جديد يحقق له المزيد من المكاسب والامتيازات كما ان سقوط مأرب سيضعف معنويات ما بقي من قوات الجيش الوطني في شبوة وحضرموت ويجعلها بين مطرقة الحوثي وسندان الانتقالي ويغلق أبواب الامل باستعادة الدولة اليمنية يفتح أبواب الإحباط واليأس عند عموم أبناء فقد كانت مأرب تمثل نموذج للاستقرار ووجود الدولة والقانون وكانت ولا زالت تشكل مأوى لمئات الآلاف من النازحين والفارين من سلطة الحوثيين  .. وفيما يلي رصد لأبرز الأسباب التي أدت لتقدم الحوثيين وسيطرتهم على معظم مناطق الجوف وبعض مناطق مأرب وتراجع قوات الجيش الوطني :

1- ضعف قيادة الشرعية وافتقادها لقرارها السياسي والعسكري وتراخيها وتخاذلها وغيابها عن أرض الوطن وظهورها بشكل سلبي مخزي واحتجابها في فنادق الرياض بكل لامبالاة وسلبية وصمت وتحولها إلى أداة بأيدي السفير السعودي الذي تحول إلى ما يشبه المندوب السامي الذي يوجه ويدير شؤون الشرعية ويصدر لها الأوامر والتوجيهات .

2- غياب وحدة القرار في الجيش الوطني الذي يفتقر لغرفة عمليات موحدة تتابع الواقع الميداني لجميع الجبهات وغياب التنسيق العملياتي الفاعل فبحسب رئيس التوجيه المعنوي السابق اللواء محسن خصروف فإن مناطق الجوف تتبع مباشرة قيادة التحالف في مأرب ولا تتبع المنطقة العسكرية ولا وزارة الدفاع وقيادة التحالف بقيادة الأمير فهد بن تركي  لها اجندة أخرى ولا يوجد لديها أية رغبة أو نية حقيقية لدعم قوات الجيش الوطني وإسنادها بشكل فاعل يغير من موازين المعركة على أرض الواقع وبالمقابل فإن الحوثيون لديهم قيادة موحدة وغرفة عمليات واحدة وقرارهم العسكري والسياسي واحد .

اخبار التغيير برس

3- تعدد الرؤوس والولاءات داخل الجيش الوطني وتهميش قيادات بعينها ودعم قيادات أخرى وتهميش قيادات قبلية وتجاهل جهودها وتضحياتها وخذلانها بالمقابل استطاعت جماعة الحوثي ان تتواصل مع مشايخ وشخصيات قبلية وتكسبها إلى صفوفها وتحيد شخصيات أخرى على عكس الشرعية التي أهملت ملف مشايخ القبايل والشخصيات المؤثرة وقصرت في التواصل معهم كما تركت النازحين من أبناء الجوف في العراء ولم تقدم لهم الدعم والاهتمام المطلوب .

4 - تجويع أفراد الجيش الوطني في مناطق الجوف ومأرب وغيرها وتأخير رواتبهم لفترات تصل إلى سبعة أشهر دون مبرر منطقي وعدم تسليحهم بالأسلحة المطلوبة إضافة إلى غياب الإسناد الجوي المطلوب مما أدى إلى ضعف معنويات أفراد الجيش الوطني وتفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري وضعف الانضباط العسكري وغياب مبدأ المساواة بين الجميع .

5- استمرار الجيش الوطني بوضعية الدفاع والصد بينما الطرف الاخر يشن الهجمات المنظمة والمنسقة ويتقدم بشكل مدروس ويؤمن مواقعه التي سيطر عليها ويرتب صفوفه ويمضي في مخطط السيطرة وقد يتراجع في بعض الجبهات ويتعرض لخسائر كبيرة لكنه يعود مجددا ويرتب صفوفه ويجمع مقاتليه بفضل جمود جبهات القتال الأخرى وعدم تحريكها مما جعل الحوثيون يركزون على تجميع مقاتليهم من مختلف الجبهات وارسالهم إلى جبهة الجوف بينما الشرعية تخضع لتوجيهات التحالف والمبعوث الأممي وتلتزم بالدعوات الأممية لوقف إطلاق النار . 

6 - افتقار الجيش الوطني لاستراتيجية عسكرية فاعلة وناجحة وغياب خطة عملية ميدانية تعيده إلى وضع الهجوم وتسنده بعوامل النصر مما جعله يتراجع امام مسلحو الحوثي ويخسر الكثير من المواقع والمناطق وترفد جبهاته بالأسلحة النوعية والامدادات والدعم والاسناد المطلوب الذي يغير موازين المعركة .

7-  غياب الرقابة والمحاسبة في الجيش الوطني فمنذ الانسحاب التكتيكي الغامض من نهم لم تشكل وزارة الدفاع لجنة للتحقيق فيما حدث ولم تكشف عن الأسباب الحيثيات التي أدت لذلك الانسحاب الغامض ومن هو المسؤول عنه من وجه بذلك الانسحاب ولماذا ؟

تساؤلات كثيرة تفتقر للإجابة المقنعة كما أن الحكومة لم تطالب الحكومة بذلك لم تتخذ إجراءات جادة لتغيير الواقع الراهن فهي ترى انه ليس من صلاحياتها اتخاذ هذه الخطوات والإجراءات ورئيسها معين عبد الملك لا يتدخل بالسياسة وهادي يعيش في غيبوبة تامة عما حوله وفي حالة موت اكلينيكي وهناك أطراف عديدة في الشرعية تلقي باللائمة على حزب الإصلاح وترى بأن ما يحدث في الجوف ومأرب هي معركة حزب الإصلاح وليست معركتها ولذا تتفرج على ما يحدث بصمت .

8- وجود ضغوط إقليمية ودولية لتسهيل سيطرة الحوثيين على مأرب باعتبار هذه السيطرة في حال حدوثها ستفرض واقع سياسي جديد يفضي لخيار الدولة ذات الثلاثة الأقاليم في اليمن إقليمين في الجنوب أحدها تحت سيطرة الشرعية وهذا يمتد من شبوة إلى وادي حضرموت واقليم عدن وما حوله تحت سيطرة الانتقالي والمهرة تحت سيطرة القوات السعودية كما ان هذه الأطراف التي تسوق لسيطرة الحوثيين على مأرب تروج بأن هذه السيطرة ستعجل بتسوية سياسية جديدة تنهي الحرب وتزيح حزب الإصلاح من قيادة الشرعية وتبعده عن التحكم بالمشهد السياسي اليمني وتعجل بإنهاء الحرب في اليمن ويبدو أن السعودية أو أجنحة فيها قد قتنعت بهذا الطرح وتعمل على تسهيل حدوث هذا السيناريو في أرض الواقع بشكل أو بآخر .

ختاما فإن ما سبق هو تحليل ووجهة نظر وفق مؤشرات الواقع الميداني ولا يعني هذا أنه يؤكد سيناريو السيطرة الحتمية للحوثيين على مأرب ولا ينفيها وكل الاحتمالات واردة وخلال الفترة القادمة سنجد الإجابات الكافية لكل التساؤلات .

التغيير برس