التغيير برس


أسئلة الشيخ التي لم تُحسم منذ 95 عاماً.. ما الذي تبقى من كتاب "الإسلام وأصول الحكم"؟

محمد عبدالوهاب الشيباني

 

 (1) الكتاب في تتبُّعٍ ووجهتيْ نظر

في مطلع عشرينات القرن الماضي، كانت مِصرُ على عتبة تحوّلٍ جديدةٍ، بفعل المتغيرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة غداة الحرب الكونية الأولى. الحرب التي أزاحت الدولة العثمانية عن المشهد السياسي في المحيط، واستبدلتها بقوى الاستعمار الأوروبي الجديد والصاعد (إنجلترا وفرنسا، وبنفوذٍ أقلّ، إيطاليا).

لم تكن ثورة العام 1919، التي مَهّدتْ للقوى الوطنية المصرية أن تصنع واجهتها السياسية التي عُرفتْ تالياً بـ”حزب الوفد”، إلا تعبيراً عن عمليةٍ شاقّةٍ وطويلةٍ لتفكيك الطبقة السياسية المهترئة وقوى الحكم التاريخية التي تتحكم في البلاد ذات الكثافة السكانية والجغرافيا المتعددة، صاحبة الإرث السياسي والحضاري المتنوع. فارتدادات الحملة الفرنسية، وتاريخ حكم الأسَر الألبانية والعثمانية الطويل، وصولاً إلى خبرات الاحتلال الإنجليزي، وتاريخياً، مبذولات الحضارة الفرعونية وحقب الحكم الإسلامي الطويل، والتأثيرات اليونانية والرومانية القديمة… كانت –مجتمعةً- تقود نُخَبَ المجتمع إلى استبصاراتٍ جديدةٍ، .

المُعوِّقات أيضاً لم تكن هي الأخرى هيِّنةً وسهلةَ التجاوز، خصوصاً ما يتصل بالمؤسسة الدينية التقليدية ودائرة الحكم الأسري؛ ففي الأولى كان “الأزهر” الثابت والجامد، بتاريخه الطويل وسلطته الروحية المؤثرة، وفي الثانية كان الملك فؤاد الأول، بطموحه السياسي الذي يُرَغِّبُه في أن يكون خليفةً للمسلمين، بعد أن أسقط كمال أتاتورك، بنزوعه العلماني، الخلافةَ ومركزَها، فعدَّها المحافظون والتقليديون مؤامرةً كبرى على الإسلام وشعوبه، ووجوب استعادتها، حتى في غير رمزيّتها المكانية في الباب العالي.

في هذا الوضع “الفوَّار”، ظهرَ من يعيد قراءة الحالة الملتبِسة بين الديني والسياسي، التي غذَّتها تنازعاتُ السلطة ودمويّتُها في تاريخ الدولة الإسلامية في قرونٍ طويلةٍ، ووصلتْ إلى لحظة الانسداد مع الخلافة العثمانية (الدولة السلطانية)، من منطلق أن هناك أسئلةً مُلِحّةً تفرضها “متطلبات العصر من الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تضْمَنُها الدولة المدنية، من جهةٍ، ودولةٍ دينيةٍ تُعزِّز مقولاتٍ ومفاهيمَ دينيةً وثقافيةً تقليديةً وعتيقةً، مثل الشورى والخلافة، من جهةٍ ثانية”.

 مَن أعاد مثلَ هذه القراءة، هو الشيخ الأزهري والقاضي الشرعي علي عبدالرازق (1888-1966)، صاحب الكتاب الإشكالي “الإسلام وأصول الحكم”، الذي أصدره قبل خَمسٍ وتسعين سنةً من الآن.

الخطوط العريضة للكتاب، حسبما يذهب أمين حمزاوي، تتمثل في إنكاره للخلافة ورفضه إضفاءَ القُدسية عليها، باعتبارها مكَوّناً من مكوّنات عقيدة الإسلام، محاولاً البرهنة على كونها نتاجاً/اختراعاً تاريخياً ودنيوياً خالصاً، وأَلّا شأنَ لها بصحيح الدين؛ فلم تكن يوماً فرضاً إلهياً ولا واجباً شرعياً.

الكتاب، حالَ صدورِهِ في العام 1925، تعرَّضَ هو وصاحبه لهجمةٍ شرسةٍ من المؤسسة الدينية التقليدية “الأزهر”، واتُّهِم بالدعوة إلى العلمانية وفَصْل الدين عن الدولة؛ في خطابٍ تهييجيٍّ لمشاعر المتدينين البسطاء. أعقبها شيخُ “الأزهر”، وقتذاك، محمد الخضر حسين، بإصدار كتاب “نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم”، والذي ترتّب عليه قيامُ “الأزهر” بسحب الشهادة العالمية منه  وإخراجه من زمرة العلماء. ومما قيل فيه أنه كتابٌ أصدره صاحبه “لخداع جماهير المسلمين عن حقيقة دينهم، وإذاعة مفهوم الدين العبادي القائم على الروحيات والمساجد، وإنكار حقيقة الإسلام بوصفه ديناً ومنهجَ حياةٍ ونظامَ مجتمع”.

وفي المغرب العربي، أحدث الكتابُ خَضَّةً مماثلةً استدعتْ من مفتي “المالكية” بالديار التونسية،  محمد الطاهر بن عاشور، أن يكتب تعقيباً مطوّلاً سَمّاه “نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم”، ضمَّنَه الكثيرَ من النقد بذات الكيفية التي سار عليها شيخُ “الأزهر” وبعضُ الكُتّاب الموالين للأزهر والقصر. حتى إن كاتباً لاحقاً، هو أنور الجندي، الذي عُرف بمعاركه الشرسة مع رموز حركة التنوير في مصر والوطن العربي، ذهب إلى القول إن كتاب “الإسلام وأصول الحكم” ليس من تأليف علي عبدالرازق، بل من تأليف المستشرق والقس الإنجليزي ديڤيد صمويل مارگليوث، المعروف بمرجليوث، أستاذ طه حسين، والذي بدوره أصدر، في العام التالي، كتابَه الإشكالي “الشعر الجاهلي”، الذي أقام الدنيا ولم يُقعدْها، اضطُرّ صاحبُه لاحقاً إلى تغيير بعض محتواه، وتغيير عنوانه إلى “في الأدب الجاهلي”، بعد حملةِ تنكيلٍ من ذات المؤسسة.

الأثر الذي أحدثه كتاب “الإسلام وأصول الحكم” جعل بعضَ الفقهاء يذهبون إلى القول إن ما صنَعَه كان أشدَّ فتكاً مما صنعه أتاتورك نفسه، في إلغائه للخلافة بقوة السلطان، لأن الكتاب عمِلَ على التغيير داخل الأصول والمسلّمات الدينية؛ في حين ما صنعه أتاتورك كان موضوعاً يتصل بالردّة الصريحة، التي لها أحكامُها الواضحة في نصوص الشريعة.

ومن وجهة النظر هذه، تغذّتْ وتقوَّتْ عمليةُ التشويه والشيطنة لأفكار الكِتاب بقولهم إنها تقوم “على تفسير الدين الإسلامي بما يتفق مع التصور الغربي للدين”. وفكرة الدين الإسلامي، وفقاً للتصور الغربي حسب رأي المخالفين “لا تتضمن سلطةَ حُكْمٍ، حيث كان محمدٌ رسولاً لدعوةٍ دينيةٍ خالصةٍ للدين، لا تشوبها نزعةُ مُلْكٍ ولا دعوةٌ لدولة، وإنما أحدَثَ ذلك المسلمون من بعده. وكانت الحكومةُ التي أقامها الصحابةُ من بعده حكومةً دنيويةً ليست من أحكام الإسلام”.

الضغوط الشديدة والإرهاب الفكري، الذي تعَّرض له الشيخ علي عبدالرازق، لم تقِفْ عند مصادرة الكتاب؛ بل وفي فصله من عمله كقاضٍ شرعيٍّ في محكمة المنصورة. ولم يُعَدْ له الاعتبارُ، وإعادته إلى زُمرة العلماء الأزهريين، إلا حين تولى شقيقُه، الشيخ حسين عبدالرازق، مشْيَخَةَ “الأزهر”، بعد عشرين عاماً من صدور الكتاب بالضجّة التي صاحَبَتْه.

لكن بمقابل هذا الصوت المستشرس الناقد، ظهر صوتٌ ناقِضٌ له تماماً، احتوته دراساتٌ معاصرةٌ في حقول الفكر الديني عملتْ بدأبٍ لإعادة التعريف بالكتاب ومؤلِّفه، من وجهات نظرٍ  عقلانيةٍ، متخلصةٍ من نزعة التشدد بشِقَّيْها. وفي إحداها، مثلاً، يرى المغربي الحسين أخدوش  في الكتاب أنه “يكتسي قيمةً علميةً وفكريةً بارزةً، في ما يخصّ دراسة ظاهرة الخلافة من وجهة نظرٍ دينيةٍ اجتماعيةٍ وتاريخيةٍ، ذات علاقةٍ وثيقةٍ بالالتباس الحاصل بين مفهوميْ الشورى والديمقراطيّة. وبالرجوع إلى هذا النصّ، نلاحظ انشغالَه الشديد بإبراز مسألة أنّ الخلافة ظاهرةٌ تاريخيةٌ، من حيثُ هي ممارسةٌ بشريةٌ لا غير؛ ولكن تمّ تغليفُها بالدين وصُبِغتْ به لتبرير ممارستها بطرقٍ معيّنة. ونحن نرى ذلك واضحاً بين كلّ ثنايا الكتاب، وبخاصةٍ فيما يتعلّق بإصرار البعض على تأصيلها في الدين؛ حيث ينزِعُ بحثُه هذا إلى تفنيد ذلك انطلاقاً من استقصاءاتٍ نصيةٍ فقهيةٍ وتاريخيةٍ اجتماعيةٍ فريدةٍ تُحسب لهذا المفكّر الجليل”.

إسهام علي عبدالرازق العلمي في هذا الكتاب كان تطويراً ناضجاً لأفكار بعض رموز مدرسة النهضة وتجديد الفكر الديني، الذين قاربوا بالنقد قضايا الجمود والانغلاق التي تُصلّبُها المؤسسة الدينية المحافِظة في حياة المجتمعات، حين تحولتْ إلى أداةٍ من أدوات الحاكم لتبرير استبداده وفساده. والحديث هنا عن إسهامات الإمام محمد عبده في كتابيه: “الإسلام بين العلم والمدنية”، و”تقرير إصلاح المحاكم الشرعية”، وكتابات جمال الدين الأفغاني في جريدة “العروة الوثقى”، التي تدعو الأمم الإسلامية إلى الاتحاد والتضامن والأخذ بأسباب الحياة والنهضة، وكتاب عبدالرحمن الكواكبي “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، وغيرهم من رواد التنوير الباكرين.

يبقى السؤال الحيُّ والماثل الدائم: ما الذي أضافه المفكرون المعاصرون من المشتغلين في حقل الدراسات الدينية وتجديد الفكر الديني إلى كتاب “الإسلام وأصول الحكم”، في بحثه في الخلافة  والحكومة في الإسلام؟

بالتأكيد، هناك عديدُ أسماءٍ تناولت القضية من أوجُهٍ مختلفةٍ، وعلى وجه الخصوص من وجدوا في مستقرّاتهم الجديدة في العالم الأول (أوروبا والغرب)، أو الذين بقوا في بيئاتٍ محليةٍ متصلةٍ بالآخر (بلاد المغرب) مساحاتِ معاينةٍ أكثر انفتاحاً لجذر المعضلة بعموميتها. لكن بالمقابل،  هناك بعضُ مَن عُرفوا بنزوعهم التجديدي في شبابهم الباكر، مثل خالد محمد خالد ومحمد عمارة  ومحمد الغزالي، انتهَوا أصوليين متنكِّرين لكل ما كتبوه وكَتَبه غيرُهم في القضايا الإشكالية، وهم ممّن روَّج لتراجع عبد الرازق عن أفكاره في هذا الكتاب قبل وفاته؛ في محاولة لإماتته معنوياً في سياق التفكير الجديد.

اخبار التغيير برس

ومع ذلك، يبقى الكتابُ، بأسئلته الكبيرة والمفتوحة، واحداً من أهم الكتب الكلاسيكية لمفكري عصر النهضة العرب وأهم مراجعها، في بحثها عن هوية الدولة وشكلها: هل هي مدنيةٌ أم دينيةٌ، والتي لم تزل تفعل فعلَها في طرائق التفكير والجدل الذي لم يُحسم حتى الآن؟

2)  في محتوى الكتاب (عرض الأفكار)

كتاب “الإسلام وأصول الحكم – بحثٌ في الخلافة والحكومة في الإسلام” يتألف من ثلاثة أقسامٍ، أو ثلاثة كتبٍ، كما أراد المؤلف توصيفه في فهرسة الكتاب:

– الأول عنوانه “الخلافة والإسلام” ويشتمل على ثلاثة أبواب:

(أ)  “الخلافة وطبيعتها”، ويتناول فيه: “الخلافة لغةً واصطلاحاً”، “معنى القول بنيابة الخليفة عن الرسول”، “سبب التسمية بالخليفة”، “حقوق الخليفة”، “الخليفة مقيداً بالشرع”، “الفرق بين الخلافة والمُلك”، “من أين يستمد الخليفة ولايته”، و”هل تُستمد الولاية من الله أم من الأمة”.

(ب) “حُكم الخلافة”، ويتناول فيه: “الموجبون لمنصب الخليفة والمخالفون في ذلك”، “أدلة القائلين بالوجوب”، “القرآن والخلافة”، “كشف الشبهة عن بعض الآيات”، “السُنة والخلافة”، و”كشف شبهة من يحسب في السُّنَّة دليلاً”.

(ج) “الخلافة من الوجهة الاجتماعية”، وفيه: “تمحيص دعوى الإجماع، “انحطاط العلوم السياسية عند المسلمين”، “اعتماد الخلافة على القوة والقهر”، “الخلافة والاستبداد والظلم”، “الضغط الملوكي على النهضة العلمية والسياسية”، “الحكومة غير الخلافة”، و”انقراض الخلافة في الإسلام”.

– “الثاني عنوانه “الحكومة والإسلام”، ويشتمل على ثلاثة أبواب:

(أ)  “نظام الحكم في عصر النبوة”، ويدرس فيه: “القضاء وصعوبة الحكم عليه”، “خلو عصر النبوة من مخايل المُلك”، “إهمال  عامة المؤرخين البحث في نظام الحكم النبوي”، و”هل كان النبي ملكاً”.

(ب) “الرسالة والحكم”، ويتناول فيه: “اختلاف الرسالة عن الملك”، و”بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الدولة في عهد الرسول”، “هل كان تأسيس النبي لدولةٍ سياسيةٍ جزءاً من رسالته”، و”البساطة الفطرية في نظام الحكم النبوي”.

(ج) “رسالةٌ لا حكمٌ”، و”دينٌ لا دولةٌ”، ويدرس فيه: “كان النبي رسولاً غير مَلِك”، و”القرآن ينفي عن النبي صفة الحاكم وكذلك السُّنَّة”، و”طبيعة الإسلام تأبى ذلك”.

– الثالث عنوانه “الخلافة والحكومة” في التاريخ، ويشتمل على ثلاثة أبواب:

(أ) “الوحدة الدينية والعرب”، ويدرس فيه: “الإسلام ليس ديناً خاصاً بالعرب”، و”اتحاد العرب الديني مع اختلافهم السياسي”، و”أنظمة الإسلام دينيةٌ لا سياسيةٌ”، و”انتهاء الزعامة بموت الرسول”، و”لماذا لم يُسَمِّ الرسول خليفةً بعده”، و”مذهب الشيعة في استخلاف علِيّ”، و”مذهب الجماعة في استخلاف أبي بكر”.

(ب) “الدولة العربية”، ويتناول فيه: “الزعامة السياسية بعد النبي”، و”أثر الإسلام في العرب”، و”نشأة الدولة العربية”، و”اختلاف العرب في البيعة”.

(ج) “الخلافة الإسلامية”، وفيه: “ظهور اللقب واختياره”، “المعنى الحقيقي لخلافة أبي بكر”، “تسمية الخوارج على أبي بكر بالمرتدّين ولم يكن كلهم مرتدّين”، “حروبٌ سياسيةٌ لا دينيةٌ”، “شيوع الاعتقاد أن الخلافة مقامٌ دينيٌّ”، “ترويج الملوك لذلك الاعتقاد”، و”لا خلافةَ في الدين”.

 

التغيير برس