التغيير برس

البنوك وشركات الصرافة تسرق المواطن اليمني.. وصمت مريب للحكومتين

د. عبدالله أبوالغيث

 

بعد قرار حكومة الحوثي في صنعاء منع تداول طبعة الريال اليمني الجديدة التي أمرت بطبعها حكومة هادي في عدن، نتج عن ذلك فارق سعري لدى البنوك وشركات الصرافة بين الطبعتين القديمة والجديدة لصالح الأولى، وذلك بسبب الإقبال على شرائها وإعادة  تصديرها إلى مناطق حكومة الحوثي نظرا لشحتها في الأسواق هناك.

ذلك جعل البنوك وشركات الصرافة تتعامل مع الطبعتين القديمة والجديدة للريال اليمني كعملتين مختلفتين، حيث اعتمدت فارقا بين سعر الطبعتين، تراوح في بداية الأمر في حدود (سبعة بالمئة) ثم ارتفع إلى (عشرة بالمئة) بينما زاد الارتفاع مؤخرا إلى حدود (خمسة عشر بالمئة) بسبب الأحداث السياسية والعسكرية التي شهدتها عدن بين حكومة هادي والمجلس الانتقالي، حيث وصل سعر الدولار في عدن إلى ما يقارب (سبع مئة ريال)، بينما يقل سعره في صنعاء عن ذلك ويتراوح في حدود (ست مئة ريال)، يعني بفارق (مئة ريال) تقريبا. وينطبق ذلك على كل العملات العربية والأجنبية الأخرى المتداولة في اليمن وبنفس النسبة.

حيث أصبحت البنوك وشركات الصرافة عندما تقوم بتحويل أي مبلغ مالي من المناطق اليمنية التابعة لحكومة هادي إلى المناطق اليمنية التابعة لحكومة الحوثي تخصم إلى جانب أجر التحويل مبلغا ماليا يساوي الفارق السعري بين الطبعتين القديمة والجديدة، وقد وصل ذلك الفارق مؤخرا إلى حدود (خمسة عشر بالمئة) حسبما فصلنا أعلاه، بمعنى أنك إذا أرسلت أربعين ألفا يخصمون عليك فارق سعر يصل إلى (ستة آلاف ريال) إلى جانب أجرة التحويل السابقة التي كانت تبلغ (ثلاث مئة ريال) فقط.

وتم تطبيق فارق السعر الجائر ذلك حتى على المرتبات التي يستلمها بعض موظفي الجهات التابعة لحكومة الحوثي من عدن عبر البنوك وشركات الصرافة التي تم اختيارها كوسيط يتم عبره صرف تلك المرتبات، وهو ما أدى إلى انقطاع معظم تلك المرتبات. بل ووصل الأمر بالبنوك وشركات الصرافة بأن تخصم فارق السعر ذاك حتى على المواطن الذي يقوم بإيداع مبلغ مالي في حسابه لدى هذا البنك أو ذاك من منطقة تتبع حكومة هادي إذا كان حسابه لديها مفتوحا من فرع يقع في منطقة تابعة لحكومة الحوثي.

وإلى هنا قد يبدو الأمر طبيعيا ومعقولا، لكنه لن يكون كذلك إذا عرفنا بأن تلك البنوك والشركات لا تمارس المعاملة بالمثل مع الحوالات والإيداعات التي تتم من مناطق حكومة الحوثي إلى مناطق حكومة هادي، فالعدل والمنطق يقول بأن تقوم البنوك وشركات الصرافة عند تحويل أي مبلغ باحتساب ذلك الفارق السعري بين الطبعتين لصالح صاحب الحوالة، وذلك لأنها تستلم المبلغ المحول بالريال القديم بينما تسلمه بالريال الجديد.

بمعنى أن تضيف إلى مبلغ الحوالة (خمسة عشر بالمئة) يتم إضافتها لمستلم الحوالة، بحيث إذا أرسل المواطن مبلغ (عشرة آلاف ريال) من صنعاء إلى عدن، يفترض أن يستلمها من حولت له في عدن (إحدى عشر ألفا وخمسة مئة ريال) لأن فارق السعر بين الطبعيتين في هذه الحالة سيكون لصالح المواطن صاحب الحوالة، وذلك قياسا على خصم تلك البنوك فارق السعر ذلك من حوالة المواطن لصالحالها في حال كانت الحوالة من عدن إلى صنعاء، فلا تسلم له إلا (ثمانية آلاف وخمس مئة ريال فقط) مع استلامها منه أجر الحوالة ثلاث مئة ريال.

اخبار التغيير برس

بعض شركات الصرافة في الفترة الأخيرة أعفت المواطنين الذين يرسلون مبالغ من مناطق حكومة الحوثي إلى مناطق حكومة صنعاء من أجر الحوالة وأصبحت ترسلها مجانا، موهمة المواطن أنها تقدم تنازلات بذلك الإجراء، بينما العكس هو الصحيح فهي تقوم بسرقته، لأنها تستلم مبلغ الحوالة بالريال القديم وتسلمه بالريال الجديد، فهي تعفيه من مبلغ (ثلاث مئة ريال) أجر الحوالة في حال إرسال (عشرين ألف ريال) مثلا، لكنها في واقع الأمر تأخذ منه مبلغ (ثلاثة آلاف ريال) متمثلا بفارق سعر الصرف بين الطبعتين القديمة والجديدة، وذلك الفارق يصبح (ثلاثون ألفا) إذا كان المبلغ المرسل (مئتي ألف) ويصل إلى (ثلاث مئة ألف) إذا ارتفعت الحوالة إلى (مليوني ريال).

وهكذا يتضح حجم المبالغ التي باتت تسرقها البنوك ومحلات الصرافة من المواطن كلما ارتفع حجم المبلغ المحول، وسندرك بحسبة بسيطة حجم المبالغ المهولة التي أصبحت البنوك وشركات الصرافة تسرقها من جيب المواطن الغلبان عيني عينك، وفي ظل صمت غريب ومريب من قبل الجهات المختصة في الحكومتين، ولا نريد أن نقول بتواطؤ من تلك الجهات التي ندرك بأن تلك السرقات لا تخفى عليها، وأن سكوتها قد يكون له ما يبرره من عمولات تصل هذا المسؤول أو ذاك تتمثل بنسبة من تلك المبالغ المسروقة، لأننا نعرف بأن الطيبة والوداعة لن تصل بمسؤولي الحكومتين تجاه تلك البنوك وشركات الصرافة إلى ذلك الحد.

خلاصة القول في هذا الأمر أن البنوك وشركات الصرافة ملزمة بوضع آلية واحدة تطبقها على نفسها وعلى المواطن في آن واحد، فإما أن تطبق فارق السعر بين الطبعتين القديمة والجديدة في الحوالات المرسلة من مناطق كل حكومة إلى مناطق الحكومة الأخرى،  وبالتالي تأخذ فارق السعر ذاك لنفسها عندما يكون الفارق لصالحها، وفي نفس الوقت تقوم بدفعه للمواطن عندما يكون الفارق لصالحه.. أو تقوم بإلغاء فارق السعر في كلا الحالتين، وهي لن تكون خسرانة في هذا الوضع كما يقولون، لأن فارق السعر من الحوالات المرسلة من صنعاء وما يتبعها من مناطق سيغطي عجز فارق السعر للحولات القادمة بشكل معاكس.

تجدر الإشارة هنا بأن كثير من البنوك وشركات الصرافة قد حولت جزءا من عملها للمضاربة بالعملات، مستغلة فارق الصرف المشار إليه بين مناطق حكومة هادي وحكومة الحوثي، حيث تشتري الدولار والريال السعودي وغيرهما من العملات الصعبة من صنعاء وتوابعها لتبيعها بسعر مرتفع في مناطق عدن وتوابعها، ثم تشتري بها ريالات يمنية من هناك بسعر أرخص لتعيد بيعها هنا بسعر مرتفع، بعد أن تقوم بتهريب الطبعة القديمة من المناطق التي تتعامل بالطبعتين صوب المناطق التي تمنع التداول بالطبعة الجديدة.

وعله من باب الإنصاف القول بأن المضاربة بالعملات لم يعد يقتصر على البنوك وشركات الصرافة وحدها، لكنه صار يشمل بعض التجار، بل وبعض المسؤولين هنا وهناك، إلى جانب بعض المواطنين، ولعل ذلك يمكننا من فهم السبب لظهور ذلك الفارق في الصرف بين طبعتي الريال اليمني القديمة والجديدة، ويوضح لنا من هو المستفيد من استمراره، وذلك على الرغم من ضرره الكبير على المواطن البسيط، لأن قيمة البضائع والسلع المستوردة تتم وفقا لسعر الدولار المرتفع، فالاستيراد يتم عبر المنافذ التابعة لحكومة هادي كونها الحكومة الشرعية التي يعترف بها العالم، ولذلك فالسعر المرتفع للبضائع والسلع التجارية ينعكس على مناطق الحكومتين، ولا يستفيد المواطن شيئا من انخفاض سعر العملات الصعبة في مناطق حكومة صنعاء.

في الختام سنفترض حسن النية بالجهات المسؤولة عن الشؤون المالية لدى الحكومتين ومعها الجهات المسؤولة عن مكافحة الفساد، وسنعتبر ما كتبناه هنا بلاغا لها، وفي مقدمتها المجلس الاقتصادي الأعلى واللجنة العليا لمكافخة الفساد، بنسختيهما لدى الحكومتين.. وسنرى ما هم فاعلون، خصوصا ونحن مقدمون على عيد الفطر المبارك وهو موسم تكثر فيه الحولات بين مناطق اليمن المختلفة، وخوتم مباركة على الجميع.

التغيير برس