التغيير برس

الشرعية راتب

قادري أحمد حيدر

 

الإهداء :

إلى الدكتور/العالم عدنان عبدالقادر الشرجبي، في سجنه الذي يعاني من وطأته منذ  اسبوع بدون سبب سوى أنه استاذ وعالم يحترم نفسه، ويجل علمه ويقدر طلابه، وما يزال يقوم بواجبه التعليمي في الجامعة وبدون راتب لخمس سنوات متواصلة، وهو في حالة من شظف العيش مثل جميع زملائه في الجامعة.. عالم جليل لاهم له سوى تطبيب النفوس وشفاء الارواح وتنمية العقول، يتعرض للاعتقال التعسفي من قبل جهات لاعمل لها سوى تعكير الصفو العام للناس وللمجتمع.

د.  عدنان الشرجبي يعاني من امراض خطيرة، وهو في حالة صحية صعبة جدا، تتم مكافأته من قبل اجهزة سلطة صنعاء بالسجن لأسباب غير معلومة، والأبشع أن يتعرض منزله وهو في السجن يوم أمس(السبت)، للتفتيش فقط لمزيد من إهانة الاسرة واقلاق سكينتهم، وادخال الرعب إلى منزل اسرته لتكتمل صورة حلقة التعذيب.

الافراج الفوري مطلبنا، ومحاسبة الجناة غايتنا وهدفنا ليستقيم ميزان العدل.

وهنا تلتقي وتتوحد جماعة  التعذيب والسجن، والقتل في صورة الشاب/عبدالله الاغبري، والدكتور/عدنان الشرجبي.

ممنوع الافلات من العقاب، ممنوع الافلات من العقاب، ممنوع الافلات من العقاب للجناة في الحالتين، لأن ذلك قد يدخل البلاد كلها في دوامة حروب هي الأسوأ مما هو حاصل.

ولاعزاء للقتلة، والجماعة التي استهدفت د. عدنان الشرجبي بالسجن.

الدولة: أرض تاريخية (جغرافية محددة ومعلومة)، وشعب توحده وتؤطره هذه الأرض، وجيش، وأمن ونظام عام يحكم هذه الدولة.

وبتفكيكنا لهذه المفردات في ضوء الحالة اليمنية القائمة منذ خمس سنوات وأكثر، فإن الأرض اليوم مصادرة بيد أطراف داخلية، وخارجية، جميعهم لا صلة لهم بالدولة ولا بمشروع وجود الدولة، لأن شرط وجودهم بني على مصادرة الدولة بالقوة. أما الشعب اليمني الواحد الموزع على جغرافيا البلاد، فيجرى تقسيمه وتجزئته إلى شمال وجنوب،وإلى(جنوب عربي)، و(يمن )،وإلى سني/ وشيعي، وزيدي، وشافعي، أما الجيش فقد تحول من أول لحظة لبداية الانقلاب والحرب، وبالتدريج، إلى عدة جيوش ميليشوية موزعة على كل الجغرافيا اليمنية: من صنعاء إلى عدن، إلى تعز، إلى مأرب إلى أبين وشبوة وحضرموت إلى الساحل الغربي، حتى تحول بعضهم إلى جيوش ارتزاقية في الحرب على الحدود مع السعودية مقابل أجر معلوم، وبعلم الجميع، بما فيها "الشرعية".  أما النظام العام في حدوده الدنيا الذي كان قائماً فقد تحول إلى أنظمة عسكرية أمنية تأمر وتحكم بإرادتها الخاصة نيابة عن الكفيل، ولا تخضع لسلطة الدستور ولا إلى أي قانون، موزعة على جميع الأرض اليمنية. إنك لا تستطيع أن تتجاوز خمسين كيلو متر دون أن تمر بخمسة عشر نقطة أمنية وعسكرية تتعرض فيها للإهانات والابتزاز النفسي والمالي، فما  يستغرق ساعة زمن واحدة لتقطعه بالسيارة يحتاج منك إلى سبع وثمان ساعات. وهكذا في كل أرض الميليشيات، والتي حلت بديلاً عن الجيش والأمن.

وهذا الواقع السياسي والاجتماعي والعسكري والأمني يزداد اتساعاً مع صباح كل يوم حتى وصل إلى إخراج محافظات يمنية كبرى وهامة مثل سقطرى والمهرة من خارطة الجغرافيا اليمنية، بعد أن وقعت كلية تحت قبضة الاحتلال الإماراتي السعودي، ولا أحد يعلم من مما يسمى "جهات الشرعية" شيئاً عما يحصل داخل هاتين المحافظتين. وهناك أقاويل وأخبار وتقارير محلية ودولية عديدة حول ذلك دون أن تسمع تصريحاً رسمياً من جهات ما يسمى "الشرعية"، بعد أن حل الاحتلال الإماراتي السعودي بديلاً عنها.

نقرأ ونشاهد عبر التلفزيونات حركة رفض ومقاومة مدنية وشعبية لما يحصل في محافظات سقطرى والمهرة وعدن، بما في ذلك تصريحات لقيادات رسمية محلية يجري قمعهم وتشريدهم ، ومنعهم من مزاولة أعمالهم في مناطقهم التي يمثلونها أمام الخارج، وأمام الداخل، وأمام الجهات الرسمية المسمى "شرعية"!!.

إننا حقاً أمام واقع غرائبي فنتازي، يعجز الخيال الأسطوري عن تصوره إلا باعتبارنا نعيش في اليقظة واقع كابوسي مفجع وكارثي.

كانت على ظهورنا حدبة انقلاب صالح والحوثي، واليوم نعيش مرارة حدبات عديدة، خارجية، وداخلية.

فكيف إذن، بإمكاننا أن نستعيد الدولة في واقع حال كهذا؟!! وثم، بمن سنقاوم الميليشيات التي تغطي وجه البلاد، على طريق استعادة الدولة؟

صحيح أن المنطقة العربية جميعها تعيش أزمة شرعية – بدرجات متفاوتة – وأنه ليس هناك مفهوم معياري واحد. يمكننا قياس الشرعية على أساس منه .. ذلك أن هناك أنظمة عربية تعيش أزمة تنمية، وأزمة غياب للعدالة في توزيع الثروة الوطنية، ومن احتكار للسلطة، وهناك أنظمة تعيش أزمة ديمقراطية سياسية، وهناك أنظمة غلبت الطابع العسكري للحكم على الطابع المدني (دولة أمنية)، وهناك أنظمة جمهورية تريد أن تذهب بالبلاد نحو التوريث بالقوة العسكرية والأمنية، وهناك أنظمة ملكية وراثية تعيش أزمة انتقالية للسلطة، في محاولة من البعض لحصر الحكم في أبنائه (سلمان)، خلافا للتقاليد السياسية الملكية المعتمدة في صورة "هيئة البيعة"، كما كان الحال في السعودية.

ولا أتصور أن عملية الانقلاب على "هيئة البيعة" من قبل الملك سلمان، ليفرض ابنه (محمد بن سلمان) بقوة البطش ستمر دون تداعيات سلبية على النظام الملكي السعودي بل وعلى منطقة الجزيرة والخليج، وبشائر ذلك السياسية ماثلة للعيان في ارتهان النظام السعودي للخارج أكثر فأكثر.. وفقدان النظام لما تبقى من استقلالية شكلية له أمام الخارج، أول أثمانها السياسية فيه بيع القضية الفلسطينية.

حقا لقد وصل النظام السياسي الملكي السعودي إلى نهايته الحتمية، والقضية مسألة وقت، وليست حرب اليمن واستدامتها دون أفق سياسي للحل سوى أحد عناوين هذه الأزمة التي ستأتي على بنية النظام كله.

إن النظام السياسي العربي كله، بصور مختلفة – كما سبقت الإشارة – يعيش حالة أزمة شرعية، فهي ليس فقط لم تطور شرعياتها السياسية والتاريخية التي قامت على أساس منها، بل هي تدمر الأسس القانونية الشرعية والتقاليد والأعراف المتوارثة التي وجدت وقامت عليها. ومن هنا حالة الرفض، وحالة التململ والنفور السياسي والاجتماعي والوطني من تلك الشرعيات المأزومة، التي نراها اليوم تتنكر بل وتبيع في المزاد العلني القضية الفلسطينية، آخر ما تبقى لهم من شرعية على الصعيد العربي/ القومي.

على أننا في اليمن اليوم نعيش أوضاعاً هي الأسوأ من هؤلاء مجتمعين، فجميع هذه الأزمات حاصلة وقائمة في داخلنا مضافاً إلى ذلك وقوعنا تحت قبضة الوصاية والانتداب والاحتلال.

الدولة اليوم تغيب كلية، والشرعية تستبدل بالاحتلال والميليشيات، والسيادة الوطنية تنتهك، والقرار السياسي الوطني المستقل أصبح في خبر كان من أكثر من خمس سنوات، والاقتصاد إلى الاندثار، وموانئ ومطارات البلاد تحت سيطرة ضباط أجانب، والملايين من موظفي الدولة الفقراء أو أكثر من 75% منهم لا يستلمون رواتبهم منذ حوالي خمس سنوات.

ألسنا حقاً في أسوأ وضع غرائبي/ ولاإنساني، ليس على المستوى اليمني بل وعلى مستوى التاريخ السياسي العالمي كله.

كان (ماكس فيبر) قبل قرن من الزمن يقيس الشرعية وفقاً للمدى الذي يخلقه النظام من الاستقرار الاجتماعي ، ومن مدى تحقيق النظام السياسي المستقر. وهناك قاعدة عامة تقيس الشرعية على أساس من قاعدة الرضا والقبول، أي المشروعية الاجتماعية، وكذا الشرعية السياسية والدستورية في حدودها الدنيا، فأين نحن اليوم من كل ذلك؟

 إن حالة الشرعية في اليمن منعدمة ومعدومة على كافة الأصعدة.

اخبار التغيير برس

إن النظام في سوريا، رغم مشاكله الداخلية وحروبه المستمرة لأكثر من عشر سنوات، ما يزال يقوم بدفع رواتب موظفي الدولة الواقعين تحت مسؤوليته، بل والذين كان يقعون جغرافيا تحت سيطرة "القاعدة"، و"داعش". فمع نهاية كل شهر كانوا  وما یزالون يستلمون رواتبهم من الدولة السورية، وتقدم لهم الشرعية السورية الحد الأدنى من الخدمات: كهرباء، ماء، تعليم، صحة.

ذلك أن أحد أوجه الدولة، والشرعية في أي مكان في العالم هو الالتزام بدفع الراتب لأن الراتب حياة.

وفي ضوء ما سلف: هل نجرؤ، مجرد تجرؤ، على أن نسمي ما هو قائم لدينا شرعية ؟! أو أنها، هذه المسمى "شرعية" مجازاً مؤهلة وقادرة على استعادة الدولة؟

والسؤال المركزي الذي علينا أن نواجه أنفسنا به: هل يمكن أن توجد شرعية فی بلاد لا یوجد فیها نظام سياسي مستقر,ولاحکومه,، وبدون مؤسسات دولة قائمة بالفعل؟!

هل سمعتم عن شرعية تسعى لاستعادة دولة وتمارس تمييز وظيفي وتمييز وطني في صرف الراتب لمن يقعون تحت مسؤوليتها، وتدعي أنها تمثلهم وتدافع عنهم، وهي في واقع الممارسة تحرمهم من حقهم

 القانوني والدستوري بالراتب؟!

وواقع الحال، آن هذا التمييز في صرف الراتب حاصل في صنعاء وعدن، فرئيس الجمهورية ومكتبه ومستشاريهم في كل من صنعاء وعدن، وأعضاء حكومتيهما يستلمون رواتبهم مع الحوافز، إضافة إلى البترول، وكذا أعضاء مجلس النواب، والشورى ومدراء شركات النفط والغاز، والاتصالات والضرائب والجمارك وموظفي النبوك، وشركة التبغ وكمران وهيئة مكافحة الفساد، وجهاز الرقابة والمحاسبة، والعديد من القطاعات ، جميعهم يستلمون رواتبهم شهرياً في كل من صنعاء وعدن، وكل المحافظات الجنوبية.

وباقي فقراء اليمن، من موظفي الدولة: من المعلمين والأطباء، وأساتذة الجامعات، وغيرهم يعيشون مرارة الفقر والجوع، حتى الموت ولم نقرأ من قيادات الأحزاب بياناً احتجاجياً على ذلك. 

والأفظع أن الأستاذ عبد بشر عضو البرلمان (صنعاء) وعضو المؤتمر الشعبي العام يقول في جلسة برلمانية مصورة، إن في ميزانية الدولة للعام 2020م، مبلغ 69مليار ريال مرصودة مرتبات لموظفي الدولة في المناطق الخاضعة لسلطة صنعاء، وهنا تصبح الكارثة مركبة، أي إلى أين تذهب هذه المليارات المدونة في موازنة الدولة مرتبات؟!

أطرح هذه الأسئلة/ القضايا، وسأكرر طرحها دائماً، لأنها تعكس واقع حالتنا مع شرعية مهاجرة، وسلطتي أمر واقع في صنعاء وعدن، وفي واقع قيادات حزبية مأزومة ملحقة بـــِ"الشرعية"، وبالاحتلال، لاهم لهم سوى استلام رواتبهم، ومعها  مخصصاتهم المالية مع نهاية كل شهر، ولا يعنيهم أمر الشعب في شيء ، أو استعادة الدولة، بل أن استدامة الحرب، يعني مزيداً من المصادرة للدولة، وبالنتيجة مزيداً من الأرباح إلى جيوبهم الخاصة.

إننا حقاً أمام "شرعية" خرافية هي إلى الفنتازيا اقرب .. شرعية بلا أرض، ومجردة من الدولة، بل ولا مسكن تأوي إليه في أرضها!!.

إن شرعيتنا اليمنية، هي ضمير مستتر (غائب) تقديره هو: الاحتلال، والميليشيات .. ولا أعتقد أن المعاجم والقواميس قادرة على استغراق معنى ومفهوم "الشرعية" اليمينة القائمة. ومن هنا عدم  قدرة العقل السياسي الطبيعي والسليم على استيعاب ما يجري في بلادنا، ولذلك سنجد قوى تقدمية عربية (يسارية/ اشتراكية) تقف حائرة أمام حالة الشرعية اليمنية، بل وبعضها يناصبها العداء، ويوجه سهام نقده لها باعتبارها مشاركة في العدوان على البلد.  بل وهناك من يذهب في خطابه السياسي والاعلامي داعما ومؤيداً للانقلاب الحوثي، باعتباره الطرف الذي يتملك قدراً من المعقولية، ومن الواقعية السياسية، كما تراها بعض عيون الخطاب الخارجي،  وهذا أحد أوجه أزمة علاقتنا بـــِ"الشرعية" القائمة.

إن ما نعيشه اليوم ينطبق عليه ما قاله الجنرال التركي عن واقع لحالة الإمامية بأنه واقع: " لا يقرءن لا  يكتبن لا يفهمن"، واقع "تراجو/كوميدي" فقد فيه اليمنيون كل شيء: السلطة والدولة معاً، فالدولة يصادرها يومياً الاستعمار الاحتلالي، الإماراتي/ السعودي، والسلطة السياسية موزعة بين الميليشيات .. فعن أي شرعية إذن يتحدث البعض ؟! ألم أقل إننا نعيش في واقع فنتازي هو إلى الأوهام وإلى الخرافة السياسية أقرب؟!.

كم اتمنى لو أن لدينا هيئات مدنية، أو منظمات إدارية وقانونية (احصائية) لقياس الرأي العام، لتقيس المدى السياسي والجماهيري – الرضا والقبول – الذي كانت عليه "الشرعية" اليمنية قبل خمس سنوات وكيف هي بالأرقام اليوم؟ وكم تبقى من السبعة الملايين والنصف الذين صوتوا لصالح اسم عبدربه منصور هادي؟ وقياس الرأي العام هنا سيكون ليس على الأساس السياسي فقط، بل وفقاً لأرقام لها صلة بواقع تسليم رواتب موظفي الدولة ، وبحالة الصحة العامة، والتعليم، وبالخدمات الأساسية، وبالوظائف المنجزة المضافة للعمالة القائمة، بعد أن اصبحت العمالة اليمنية كلها في حالة جمود وبطالة.

فالكهرباء اليوم في صنعاء ومنذ خمس سنوات منعدمة نهائياً ، فالظلام سيد المنازل جميعاً باستثناء أصحاب السلطة، أو من يمتلكون القدرة النقدية على دفع عشرين ألف ريال شهريا قيمة الكهرباء التجارية، أسعار الغاز والنفط ارتفعت بمعدل 300%، أسعار  وقيمة الدولار مقابل الريال تعدت  نسبة الارتفاع فيها أكثر من 300%، أسعار المواد الغذائية والصحية، (الأدوية) في ارتفاع جنوبي، ومعظم السكان بدون رواتب، بعد أن فقد القطاع الخاص أكثر من 40% من عمالته التي أضيفت إلى قائمة البطالة، والمدينة عدن والمحافظات المجاورة لها تعيش في واقع الحرارة الشديدة بدون كهرباء (أربع وخمس ساعات في اليوم كهرباء)، وبدون مياه صحية نظيفة، وبلا خدمات اجتماعية عامة، وبدون أمن اجتماعي ولا استقرار سياسي، فحالة الحرب في هذه المناطق لا تتوقف إلا لتبدأ.

إن أهم مقياس لحساب الشرعية، إضافة إلى كل ما سبق الإشارة إليه، هو صرف الراتب لموظفي الدولة الفقراء. وبدون مجافاة للحقيقة يمكن القول إن عدم صرف الراتب يكفي لنفي وإعدام أي صفة اخلاقية عن هذه المسمى "شرعية".

حقا أننا، ومع هذه الأوضاع الفجائعية/ الخرافية: الاحتلال والميليشيات، وعدم صرف الراتب يصدق علينا قول الشاعر الكبير عبدالله البردوني:

 أنت في قبر وحيد وهاديء

أنا في قبرين .. جلدي وبلادي

ومع ذلك ستنتصر إرادة الكرامة والحرية في داخلنا على القبر، الذي سيحول إلى مسكن أبدي لهم في الحياة .

ستنتصر بلادي

ستنتصر إدارة شعبي

ونقطة على السطر.

التغيير برس