التغيير برس

فاطمة

محمد عبد الوهاب الشيباني

 

وجدتها  بالمصادفة جالسة في ممر بائعي الفواكه في السوق في الصباح الباكر ، استأذنتها بالجلوس والحديث اليها ، قبلت بكل لطف بعد أن كنتُ متوجساً  من رفضها طلبي مثل عديد حالات صادفتني . بدأت حديثي بتذكيرها  ببعض ما أختزنه الذاكرة عنها ، وعن رفيقاتها من البائعات الصبريات اللواتي كنا يظهرن في السوق المزدحم قبل أربعين عاماً  ، فتذكرت بعد وقت  والدي ، وصاحب الدكان  "الحاج سعيد عمرو غالب" الذي كان يعمل به  ، وتذكرت معهما بعض من وجوه السوق القدامى مثل حسن سعيد وأحمد عبده عقلان وأحمد إسماعيل والحاج مبارز وعبده ابراهيم وسعيد المخلافي وراشد، وتذكرت البدو الشبوانيين والبيضانيين الذين كانوا يظهرون في السوق لبيع السيارات المهربة والغزلان  ، وبدأت  تستعرض شكل المكان وتفاصيله ،حين كانت محلاته  عبارة عن صنادق من الزنك يعرض  فيها مالكوها  الخضار والفواكه ،و نشأت في محيط السوق الذي  صممت محلاته الاسمنتية  الأنيقة مطلع الستينيات  بصفين متقابلين لبيع اللحوم والأسماك  ،  قبل أن تُزال  هذه الصنادق ، بأمر أحد المحافظين ،  من أجل إنشاء مبنى من الإسمنت المتجهم  مطلع التسعينيات  ، ولم يكن أمام المتضررين  من هذا الفعل غير اقتسام الشارع نفسه ، بعد أن رفض مالك المبنى  استيعابهم من جديد في المحلات الأرضية من المبنى بعد تشييده ، ومع الأيام صارت مفارشهم وأكشاكهم الخشبية تحتل كل الشارع من المدخل الى المخرج، ليتعذر مع هذا الوضع  دخول وخروج السيارات والعربات منه  .  تذكرتِ  أيضاً محطة سيارات الأجرة (الفرزة)  التي كانت جوار السوق، حيث كان  الركاب ،  بواسطة البوابير العتيقة ( الروسي)  ، يتنقلون الى مستشفى الثورة ، وحوض الأشراف ، ومنطقة الكمب ، وفرزة  الحوبان ، وتذكرت بالمقابل فرزة باب الكبير التي كانت جوار سينما قصر سبأ ، وكانت مكان وقوف السيارات العتيقة أيضاً ، والتي يستقلها الناس  الى مناطق المستشفى الجمهوري والعرضي والجحملية وصالة, وبالقرب منها كانت فرزة (صوالين) صَبِر التي كانت تستخدمها هي وصويحباتها في نزولهن وصعودهن لقراهن النابتة في الجبل الأخضر. تحدثت كثيراً و بشجن كبير عن تلك الأيام وأصحابها الطيبين حسب وصفها.

في ذلك الوقت -  مطلع الثمانينات – كانت فاطمة  شابة بكامل عنفوانها ، تدير أعناق الجميع في السوق ، حينما كانت تهبط من (قرية قراضة)  وقُفتُها مملؤة بفواكه الموسم التي ينتجها الجبل ( مشمش ،رمان، فرسك ، جوافه ، توت، سفرجل ، بلس ). كانت أصغر البائعات وأكثرهن جمالاً، وحيوية .. لم أزل اتذكر مشقرها المطرز بالريحان والنرجس البلدي والاُزاب و كانت تضعه تحت رباط رأسها (المتللة)  الى جوار أذنها اليسرى التي تتدلى منها الأقراط الذهبية ، التي كان يقول عنها الحاج سعيد أنها ذهب فالصو ( مزيف)  ، وأتذكر لباقتها الخارجة من فم مزين بالأسنان المذهبة ،و التي كانت موضة  ذلك الوقت ، وأثرى منها حكماء الأسنان المعروفين في المدينة.

لم تزل فاطمة القراضية بعد أربعين سنة، ، تحمل الكثير من تلك الملامح الشابثة في لوح الذاكرة، وتلبس ذات الملابس التقليدية لنساء الجبل والمدينة القديمة ، على العكس من بائعات كثيرات في السوق  واللواتي استبدلن العباءات السوداء بتلك الملابس التقليدية المحببة ،وصرن يغطين وجوههن المرحة  ،التي كانت مكشوفة ، بالنقاب الأسود المعتم .

اخبار التغيير برس

لم تزل ، فاطمة،  تهبط من الجبل بعد صلاة فجر كل يوم الى المدينة بذات الكيفية التي كانت تتبعها ، منذ كانت تتبع والدها النازل للمدينة مع حمار قوي،  يمتلئ خُرجه بفواكه وخضار الجبل قبل شق الطريق.

 حين التقيتها كان أمامها وعاء بلاستيكي مبطن بالنايلون مملوء بالفول الأخضر الذي جلبته معها من الجبل ، وقالت أنها أشترته من أحد الرعية من أبناء منطقة العروس وجبل الشعير البارد في نواحي صبر الموادم ، وإن هذا المحصول الآن في ذروة  موسمه والطلب عليه مرتفع ، وبعد قليل ، كما قالت ، سيصلها وعاء مملوء  بتوت الجبل الأحمر، وطلبت مني الانتظار لتذويقي حبات منه، ولأني على عجلة من أمري ، وتلافياً لنظرات الفضولين تركتها بعد أن التقطت لها صورتين مرتبكتين  بهاتفي.

مدينة تعز وعلى  الرغم من كل الذي يجري فيها من تدمير ممنهج  لصورتها الاستثنائية التي تكرست  في ذاكرة اليمنيين وفي مدونة تاريخ اليمن المعاصر  لم تزل تقاوم بالحياة من خلال القليل من إرثها المدني ، وفاطمة الصبرية  وغيرها من النساء العاملات اللواتي يقدمن أنموذج الكفاح اليومي للمرأة اليمنية ، وتحاول أصوليات التشدد إطفاءه بدعاوى العيب والحرام التي تنتجها ذهنيات قاداتها المريضة ، دليل على ذلك.

المجد لفاطمة ولكل النساء العاملات  ، والتعافي لتعز، والسلام لليمن.

التغيير برس