التغيير برس

جامعة صنعاء من منارة للعلم إلى (دكان) للتجهيل والجباية!!

أ.د. عبدالله أبوالغيث

 

(قرر مجلس جامعة صنعاء بعد نقاش مستفيض تحديد سقف لعدد الطلاب اللازم لفتح أي برنامج تعليمي بـ 15 طالبا، وأي برنامج لا يصل عدد الطلاب فيه لذلك العدد يجمد القبول فيه هذا العام.. كما أقر المجلس أن تخفض أجور الساعات لأي برنامج تعليمي يكون عدد الطلاب فيه أقل من 30 طالبا) انتهى

ذلك هو نص القرار الكارثي الذي اتخذه الأساتذة والدكاترة أعضاء مجلس جامعة صنعاء في اجتماعهم الأخير، ودون أن يهتز لهم رمش، وهم يعلمون علم اليقين أن قرارهم (العبقري) هذا سيغلق أقساما علمية عمرها من عمر الجامعة، حيث تبين لنا أن هذا القرار على سبيل المثال سيتسبب بإغلاق سبعة أقسام في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، هي: التاريخ والعلاقات الدولية، الآثار والسياحة، اللغة العربية، اللغة الفرنسية، الفلسفة، الجغرافيا، المكتبات وعلم المعلومات. وبالتأكيد سيغلق أقساما أخرى في كليات أخرى، خصوصا كلية العلوم وكليات التربية بنسخها المتعددة.

تصوروا أن يقرر السادة الأكارم أعضاء مجلس الجامعة إصدار قرارا عشوائيا وارتجاليا مثل هذا القرار دون سابق إنذار، ويقولون إن قراراهم صار لازم التنفيذ من العام الدراسي الحالي، رغم أن كلية مثل كلية الآداب قد بدأ العام الدراسي فيها منذ ثلاثة أسابيع، ومع ذلك ستقوم جامعة صنعاء بالحضور لطلاب المستوى الدراسي الأول في الأقسام التي لم تستوفي العدد لتقول لهم (باي باي ومع السلامة) قررنا نقفل (الدكان) حقنا لأن العائد المادي عندنا صار قليل، اذهبوا دوروا لكم على دكان آخر!

هكذا من غير إحم ولا دستور يقدم مجلس الجامعة على مثل تلك الخطوة، وربما تبادلوا الضحكات والابتسامات بعد اتخاذ قرارهم وتبادلوا التهاني والتبريكات بهذا (المنجز العظيم) مع إدراكهم بأن قرارا مثل هذا يحتاج اتخاذه لحوارات أكاديمية ومجتمعية على مستوى الجامعة والوطن، وحتى إن تقرر اتخاذه وفقا للمعايير غير العلمية التي صارت تسير عليها الجامعة في الفترة الأخيرة يكون ذلك قبل عام دراسي كامل من بداية تطبيقة، وليس بعد بداية الدراسة وبعد (تصنيفة) نتجت لدى صاحب الفكرة ربما بسبب رداءة القات الذي تعاطاه عشية اتخاذه القرار.

ولا أدري إن كان مجلس الجامعة يدرك المآلات الكارثية لقراره هذا، وما سيترتب عليه من تجهيل للشعب عندما نظر للعلوم الإنسانية هذه النظرة الدونية، معتقدا بأن البرامج التعليمية يتم تقييمها بناء على عائداتها المادية وليس على مدى حاجة المجتمع لها، ولكم أن تتصوروا بلدا عربيا مثل اليمن وقد خلى من تدريس اللغة العربية، وبلدا تضرب حضارته في أعماق التاريخ وقد توقف عن تدريس طلابه تاريخهم وآثارهم وجغرافيتهم وغيرها من العلوم العريقة مثل الفلسفة واللغات والمكتبات، فقط ليوفر العائد المادي الذي ينفق عليها.

بل ولا أحسب أن أعضاء مجلس الجامعة (الأشاوس) قد فكروا ماذا سيحدث بعد إغلاق هذه التخصصات العلمية في الجامعة؟ ومن أين سنأتي حتى بمن يدرس هذه المواد في المدارس؟ أم أن الخطوة القادمة ستتمثل بإلغاء مواد التاريخ والجغرافيا واللغة العربية وغيرها من المواد من المدارس، طالما وهي لاقيمة لها من الناحية المادية وفقا لرؤية أصحاب القرار، أو بالكثير يمكن أن يقوم بتدريسها أي واحد والسلام، خصوصا أنها (متديش زلط)!

وكان بإمكان السادة الأكارم أعضاء مجلس الجامعة قبل أن يقدموا على مثل هكذا خطوة أن ينظروا من حولهم ليعرفوا إن من مهام الجامعات الحكومية الإنفاق على التعليم وليس جعله سلعة للمتاجرة، حتى أننا نتصور بأن الدكتور الفلاني عليه أن يتقاضى أجرا أقل من زميله في تخصص آخر، ليس لأنه أقل منه علما أو كفاءة ولكن لأن الملتحقين (بدكانه) عددهم قليل وهو ما سيعني قلة الأرباح وانعدامها.

اخبار التغيير برس

ومعيار الربح المادي الذي صار مع الأسف هو الذي يحكم السياسة التعليمية في جامعة صنعاء وغيرها من الجامعات، حتى أن الجامعة أقدمت على فتح كليات بنظام النفقة الخاصة الذي يكلف آلاف الدولارات، ومنعت التسجيل فيها بالنظام العام، بل وحتى الكليات التي تم فتحها للنظام العام صار التركيز فيها على البرامج مدفوعة الأجر (موازي ونفقة خاصة) يفوق التركيز على البرامج العامة، بل ويزيد عدد الطلاب فيها على طلاب البرنامج العام رغم مخالفة ذلك للوائح المنظمة لذلك الأمر.

وكأن الجباية وزيادة الإيرادات صارت هي الهدف الرئيسي لجامعة صنعاء وغيرها من الجامعات، حتى أن الجامعات صارت تتسابق على فتح البرامج الطبية في ظل ضعف إن لم يكن انعدام بنيتها التحتية، فقط لأن رسومها في الموازي والنفقة الخاصة تكون مرتفعة ويتم استلامها بالدولار، وصارت كليات الطب عبارة عن دكاكين ستخرج لنا (أطباء) لا يفهمون من الطب إلا كما يفهم به صاحب المجزارة المجاور لجامعة صنعاء..

بل وتحولت الدراسات العليا في جامعة صنعاء وغيرها من الجامعات الحكومية كلها على نفقة الطالب، وتمت العملية بقرار عشوائي مماثل تم اتخاذه بجرة قلم، وهو ما يعني حرمان أبناء الفقراء (وهم الغالبية في المجتمع) من التعليم، وها نحن نريد أن نلحق بها حتى التعليم الأولي في مرحلة البكالوريوس، وعلى راي إخواننا المصريين (اللي ما معوش ما يلزمناش)!

وبت أخشى وأنا أشاهد التسابق المحموم على الجوانب المادية والمكاسب الربحية في جامعة صنعاء (وهي الجامعة الأم للجامعات اليمنية) أن تقوم الجامعة ببيع بعض أراضيها أو تأجيرها لتصبح دكاكين تجارية بحثا عن المكاسب المادية، حتى أن أمانة العاصمة صنعاء كانت قد اختارت في وقت سابق مساحة فارغة في حرم كلية الطب لتجعل منها سوقا للقات في ظل سكوت الجامعة.. وكله طب ياحمود!!

وكان بإمكان مجلس الجامعة بدلا من إصدار قراره (الارتجالي غير مدروس العواقب) أن يقيم الندوات والدراسات التي تشخص سبب عزوف المجتمع عن بعض التخصصات، ووضع الحلول المناسبة لها، ومنها على سبيل المثال تكثيف التوعية بأهميتها لدى المجتمع، وكذلك تخفيض معدل القبول في بعض التخصصات ليتمثل بنسبة النجاح 50%، لكن على ما يبدو أن هناك من لا يرغب في إغضاب الجامعات الخاصة لشيء في نفس يعقوب!

وعلى القائمين على جامعة صنعاء (وهي الجامعة الأكبر والأقدم في اليمن والقدوة لبقية الجامعات) أن يعلموا أن البرامج التعليمية ليس هدفها فقط خدمة السوق وبالتالي التعامل معها بمنطق الربح والخسارة، لكن الهدف الأول هو العلم بحد ذاته، وبالتالي فتقييم البرامج التعليمية سلبا وإيجابا يأتى وفق نظرة وطنية شاملة وليس بمنطق كم ستربح وكم ستخسر!

 وعليهم أن يعلموا أيضا أنه إذا كان الطبيب يعالج الجسم، فخريج العلوم الإنسانية مهمته صناعة الفكر وتصويب اتجاهات العقول.. إلا إن كان هناك نية لتكريس الجهل بين صفوف المجتمع فذلك شيء آخر، ولكل مقام مقال.

أخيرا: ندعو الجهات الرسمية في الدولة للمسارعة في إيقاف هذا القرار الكارثي غير محسوب العواقب، خصوصا أن جامعة صنعاء صارت تسير بتوجيهات تأتي من خارجها ويستقوي بعض مسؤوليها بتلك التوجيهات. وكذلك نعول على الأكاديميين والمثقفين وكل أبناء المجتمع إلى الوقوف وقفة رجل واحد لمنع هذا القرار العابث بالتعليم، والذي سيحول جامعة صنعاء في حال سمحنا له أن يمر من منارة للعلم إلى دكان للتجهيل والجباية.. اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.

التغيير برس