التغيير برس

في السـياسة والحـرب

حسن عبدالوارث

 

في السياسة لا يتكلم الدين ولا تتحدث الثقافة ولا الحضارة . في السياسة المنبر للمصالح فقط دون سواها ، فيه تتخاطب وعليه تعتلي . والمصالح خليط شتى ، يختلط فيها المال بالسياسة والتجارة بالثقافة ، ويتقدم فيها التكتيك على الاستراتيجيا في غير حالة . فلا دين للسياسة ، ولا قاعدة ثابتة لتعريفها أو تصريفها أو للتعاطي الأمثل معها .

قد يقف مسلم مع مسيحي - أو يهودي - في صراعه مع مسلم . أو يستند كاثوليكي على أرثوذكسي ( أو شيعي على سُنّي ) ضد أخيه في الدين أو المذهب . أو يؤازر فرانكفوني انجلوسكسوني في مواجهة فرانكفوني . أو يحارب يمني الى جوار من يكره اليمن وأهلها . في مجال بعيد عن السياسة ، لا يغدر حيوان بحيوان لصالح الانسان !

تأسيساً على هذا المثال - مثالاً - ما حدث مؤخراً في ساحة الحرب الأذريّة الأرمنيّة ، وأثار التساؤل الاستنكاري في هذا الاطار أو لفت الى المشهد الشاذ في هذا المضمار . وما حدث ثمة لم يكن سابقة في التاريخ ، ولن يكون بالضرورة خاتمة للموضوع . ففي الحروب - كما في السياسة - تستوي الجمرة والتمرة ، وتغدو المُسلّمات أوهاماً ، وتتزحزح الثوابت بعيداً عن أمكنتها .

اذا ما لقيت الابن يقتل أباه والأخ أخاه في لعبة السياسة ومعتركها الخرائبي الدامي ، فكيف لك لحظتئذٍ أن تتفكّر في دين أو مذهب ، أو تتأمل في فكر ثقافي أو بُعد حضاري . ولازالت عبارة نابوليون بونابرت تتردد في الأرجاء - متجاوزةً تخوم التاريخ وحدود الجغرافيا - حين أشار بعقيدة راسخة الى أن " الله يقف مع المدفعية الثقيلة " وحدها . فلا هلال ولا صليب ثمة في السياسة ولا في الحرب .

اخبار التغيير برس

لك أن تدرس القِيَم وتقرأ في المُثُل وتتحدث عن المبادىء كما تشاء ، ولكن خارج حدود نهج السياسة ومنهج الحرب . ففي السياسة ، كما في الحرب ، تنعدم الأخلاق أولاً وتالياً ، مثلما تنعدم تماماً من القاموس والناموس - مفردةً ومعنى - ملفوظ مبدأ . ولا عجب في حالة امرىءٍ تأتي به الى بيئة غير سياسية وفي مشهد السلم ، فترصد سلوكه مع الذات والآخر ومجريات الواقع . ثم تحيد به الى بيئة تنضح سياسةً أو في مشهد الحرب ، فتجد الفرق الشاسع والبون الواسع بين سلوكه السابق والجديد ، اذْ يتبدل هذا السلوك من الضدّ الى الضدّ - شكلاً وموضوعاً - بمجرد هذه النقلة من تلك البيئة الى الأخرى .

ان اللعبة السياسية تكشف كثيراً من الحقائق كانت غائبة عنك حين كنت بعيداً عن أجواء تلك اللعبة . انها تكشف معادن الناس على أصولها ، وأخلاقهم الحقيقية من دون قشور ولا رتوش أو أقنعة . وفي أتون الانغماس في هذه اللعبة ، يستوي المنتمي الى عرق آريّ أو دم أزرق مع ذي العرق الأخضر والدم الأحمر أو حتى الأسود . كلهم - بدون استثناء - يغدون كلاباً مسعورة ويجيدون النباح بدلاً عن الغناء .

الأمور ذاتها والصفات نفسها التي تنطبق على اللعبة السياسية وأهلها ، تنطبق تماماً على لعبة الحرب وأطرافها . انظر حواليك ترَ النماذج شتى والحالات تترى في هذه وتلك . ففي السياسة والحرب يستوي سليل الأنبياء وربيب الشياطين . لا فرق البتة !

(نقلا عن بلقيس)

التغيير برس