التغيير برس

صديقي، محمد عبدالله صالح....الحرب والصداقة

قادري أحمد حيدر

 

الإنسان شخصية إشكالية معقدة في الواقع، وصعب البحث عن معنى جامع مانع له، كما يقول المناطقة.

فالإنسان أسم، والإنسانية صفة ذاتية خاصة وعامة.. صفة تجمع الفرد والجماعة، تحتوي وتشمل من ينطقون ويعقلون، (يفكرون)، ومن يكتبون ما ينطقون، ويؤرخون لما يعيشونه كتابة، وهنا يكمن الفارق بين الإنسان وبين غيره من الكائنات، ومع ذلك من الصعب البحث عن معنى وصفات محددة ثابتة، تستغرق وتحيط بمعنى الإنسان في صفات ما هوية معينة ثابتة، فلكل حالة كيمياؤها وهيئتها الذاتية الإنسانية الخاصة بها، في كل لحظة، بل وفي كل مرحلة تاريخية.

انظر لمن يحيطون بك من أفراد الأسرة، ومن الأصدقاء، ستجد أن كل واحد منهم، عالم بذاته.

كان والدي رحمه الله يكرر على مسامعنا دائماً القول، حين نتحدث في شؤون الاجتماع الإنساني، وحول الناس من حولنا، قائلاً : يا ابني: إن البحر يقايس أو أنك تستطيع قياسه، أما ابن أدم فلا يمكنك قياسه"، ومع جريان العمر، والخبرة الحياتية، والاطلاع المعرفي أدركت معنى كلامه، الذي أجده يدخل ضمن الدرس السوسيولوجي، وفي نطاق علم الدرس النفسي (السيكلوجية).

هناك في حياتنا نماذج بشرية تعيش معها أو قريباً منها لعقود طويلة ، تتجاوز ثلثي عمرك وتداخلت بينك وبينهم صلات شخصية وعامة، وتعتقد أنهم جزء منك أو أنهم صنو  روحك، ومن  أنك ابحرت عميقاً في دواخلهم، لتكتشف فجأة أنك لأول مرة تتعرف عليهم كما هم، بدون مساحيق، وليس كما كنت تتوهمهم في عقلك في زمن معين من حياتك، وفي تاريخ كان ولم يعد كائناً لا في الواقع، ولا في صورة عقلك المتوهم.. ذكريات صداقات لم يتبق منها سوى بقايا أطلال، أتت عليها أزمنة جديدة محمولة بسياسات، وطرائق تفكير جديدة ومصالح مختلفة، أسست لمعنى وجودها صراعات وحروباً هندس لها وعي بدائي خرافي/ ميثيولوجي بالواقع وبالحياة والعصر، ووجدت نفسك تعيد تدوين وتركيب وصياغة مفردات ذاكرة علاقاتك بصورة مختلفة .. حقاً إن الاجتماع المعيشي، والسياسي والاجتماعي هو من يسهم في تشكيل صورة ومعنى وعينا وطرائق تفكيرنا في كل شيء، وفي كل حالة على حدة .. لا أدري حقيقة لماذا وجدت نفسي أستطرد في هذه المقدمة وأنا بصدد الكتابة الذاتية الخاصة عن الصديق والإنسان/ محمد عبدالله صالح، (أبو مشعل)، وهل كان هناك من ضرورة لذلك أو من  سبب / للكتابة عن صديق عزيز  بهذه المقدمة الطللية السوسيو/ تاريخية، قد يكون السبب في ذلك الصلة العميقة بين الذاتي والموضوعي، بين الشخصي وبين العام، بين السياسة، وبين المبادئ، وبالنتيجة بين المصالح، وبين الصداقة، والذي يتجلى أكثر في مراحل وفترات الأزمات ، التي تستحيل إلى حروب عنيفة / كارثية كحالنا اليوم، ففي مثل هذه المراحل غالباً ما يلتصق الذاتي بالموضوعي، والخاص بالعام بصورة حدية تزيل الكثير من أسباب الغموض، الذي يكتنف العلاقات الإنسانية، ويجليها، ليجعلها أكثر وضوحاً، وقد يكون السبب هو التبدلات العاصفة التي أفرزتها الحرب في حياة الناس، سياسياً وأيديولوجياً واقتصادياً واجتماعياً، وسيكولوجياً، تغيرات طالت بنية المفاهيم والقيم والتصورات التي كانت راسخة في عقول الناس،(أو البعض منا)، تبدلات وتحولات للأمام وللوراء "ردة ثقافية"، ما يستدعي عصفاً ذهنياً جديداً يلائم ويعكس تلك التحولات، ويعبر عنها في قالب جديد من الرؤية والتفكير، أو كما يقول البعض مراجعة فكرية للذات وللفكر وللواقع.. حروب على عنفها ومأسويتها على أنها كالمرجل، والمصهر الذي يكشف النفيس من الرخيص، يفضح معادن الناس من حولك لتراهم كما هم دون رتوش، حيث نجد البعض وتحت ضغوطات وتحولات سياسية ومصالحية وذهنية ونفسية معينة ينتقل من النقيض إلى النقيض، ومن مكان إلى آخر، وهناك من يحاول الوقوف في المنطقة الرمادية في مرحلة استثنائية فارقة ، يتحدد كل ذلك بخيارات الناس حول ما يجري من حولهم من اششتباكات مختلفة، هناك من يتوحدون بالضعف حيال السلطة وقمعها، وهنا من يلتصق بمشجرة أنسابه وأوهامه ، وهناك من يشتبكون بالضد مع السلطات، وهناك من يختارون العزلة والصمت، وهو شكل من أشكال المقاومة، وجميعها خيارات لها كل التقدير، تحدد بالضبط من أنت، وأين مكانك وما هو دورك وموقفك تجاه كل ما يجري.. فالحروب أحياناً، بل وفي الغالب تجعلنا نصدق الواقع العاري من كل زيف، ونكذب و"همنا" الذاتي حول معنى بعض المفاهيم، بما فيها بعض الصداقات، فسيف الحرب قاطع كما يبدو، وأصدق إنباءً من الشعارات.. تعرفت على الصديق الأستاذ/ محمد عبدالله صالح في زحمة خيارات سياسية وأيديولوجية شبيهة بما نحن عليه اليوم، ولكن على مستوى أكثر رقياً من الاصطفانات ومن الفرز، ومن الاستقطابات السياسية الجارية، كنا جميعاً نبحث عماً يشبهنا كأفراد، وكتكتلات تقودنا نحو المستقبل ، بصرف النظر عن صحة ودقة وموضوعية اختياراتنا ، وكان للعزيز الصديق الأستاذ/ محمد عبدالله صالح خياره السياسي والحزبي الخاص به، لم يدخل مندمجاً أو متوحداً كذات شخصية بأي خيار ،(كفرد)، وبقي على خياره السياسي الأول كما هو، وحتى اليوم، وبذلك كان صادقاً مع نفسه، ولم يذهب ضداً على قناعاته الخاصة للاندماج والتوحيد مع الخيار السياسي  الغالب، والسائد في ذلك الحين، وكأنه كان يقول "ما فائدة أن تكسب العالم وتخسر نفسك"، لأن طبيعته الذاتية الخاصة تتناقض مع روحية النفاق السياسي،أو الجري مع الغالب والسائد، مثل ما كان الحال مع البعض.

بداية معرفتي بالصديق محمد عبدالله صالح كانت عابرة في مدينة موسكو وهو في زيارة للأستاذ/ عبدالواحد غالب (المرادي) في فندق (راسيا)، ولم نتبادل سوى عبارات مقتضبة وسريعة من كلمات التحايا الرسمية جداً، وقد تعمدت ألاَّ أدخل معه في حوار يؤسس لمعرفة شخصية معينة، فقد سبقني عنه وحوله طرطشات كلام سياسي "حشوش"، يجعلني أتحاشاه قدر الإمكان، أدركت بعدها بسنوات خطأ ما علق بالذهن عنه مما سمعت، "فالناس وحوش حتى تتعارف وتتآلف" ، ثم تجددت صلتي به بعد عودته من إكمال دراسته الجامعية إلى صنعاء، وكانت لقاءاتنا الأولى في "مركز الدراسات والبحوث اليمني" الذي جمعنا معاً العمل فيه كباحثين، وبصورة شبه يومية إلى جانب أنه جاري في السكن في صنعاء.. اتفقت واختلفت معه حول قضايا الشأن السياسي العام، وبعد سنوات من التواصل والألفة والمعرفة الذاتية لكل منا بالآخر، تذكرت كم أن الحكم بالسماع على الناس من الآخرين ومن طرف واحد أمر مضر بالعلاقات الشخصية، والإنسانية، حيث تجد نفسك تتبنى قناعات وأحكاماً ذاتية لم تعشها، ولم تكونها أنت من تجربة ذاتية مع من أعطيت لنفس حق الحكم عليه، لتكتشف بعدها كما هي العلاقات الاجتماعية/ الإنسانية معقدة، وكم أن أحكاماً قاسية وظالمة نطلقها على بعضنا البعض لمجرد السماع من آخر، أو آخرين.. قد تكون أحكاماً تدخل ضمن نطاق تصفية حسابات سياسية،  أو ذاتية خاصة، لا صلة لها بحقيقة من تحمله وزر أحكامك المنقولة عن، عنعنات مجروحة.

محمد عبدالله صالح (أبو مشعل)، إنسان حقيقي في أعماقه ، ما في قلبه على لسانه للحد الذي يجعله في حالة اشتباك دائم مع من حوله ..هو إنسان بوجه واحد، لم يتعود لبس الأقنعة والقفازات الأيديولوجية، ولم يقبل على نفسه التلون كــ "الحرباء".

أول ما عرفته عن قرب تملكني إحساس غامر بأنني مع واحد من الرموز العدنية التقليدية، وعادت بي الذاكرة لصورة عدن في أواخر الخمسينيات، وبداية الستينيات، فهو حقاً صورة مثالية لنموذج ابن عدن من طريقة لبسه "للفوطة"، وذاتية حركته الخاصة، إلى لهجته العدنية التي تتخلل مفردات حديثه كله، هو ابن عدن البسيط النظيف الأنيق، والسياسي الشجاع، الذي يقول ما يعتقده دفعة واحدة ولا يفكر بمن حوله، وخاصة حين يفيض به الكيل، فيعلو صوته غاضباً وصارخاً، لما لا يراه من وجهة نظره صواباً وحقاً.. هكذا كان كإنسان وسياسي لا يعرف المداورة وحين يحاول  أن يراوغ أو يناور في السياسة تفضحه زلات لسانه، "فالمرء مخبوءٌ بين زلات لسانه" كما يقول المثل العربي .

جمعتنا معاً لقاءات شخصية عديدة مع الأستاذ الفقيد/ عبده علي عثمان رحمة الله تغشاه، وكانت بينهما معرفة شخصية قديمة منذ أن كانوا في أواخر الخمسينيات في عدن، وكان الأستاذ/ عبده علي عثمان يكبره بعدة سنوات في العمر، وحكى الأستاذ عبده علي عثمان وبحضوره، كيف كانا معاً في ملعب الكرة، وكيف كان مشاغباً لا يسكت على الظلم، ويعلق عبده علي عثمان قائلاً: إنه كان مدافعاً عن الصغار من أمثاله، ومن هم أصغر منه، في ملعب الكرة .. حتى تطور الأمر لاحقاً في دفاعه عن الحق السياسي للجميع .

التحق مبكراً بحزب "الاتحاد الشعبي الديمقراطي" في أوائل ستينيات القرن الماضي تحت قيادة المناضل والأستاذ الكبير/ عبدالله بأذيب رحمه الله . وكان من الناشطين السياسيين والحزبيين، وفي الصفوف الأولى في مواجهة الاستعمار البريطاني، حتى كان الاستقلال الوطني، وبعدها قدم إلى شمال البلاد أوائل السبعينيات ليتحصل على منحة دراسية عن طريق رفاقه في الحزب، ومنها ذهب إلى الاتحاد السوفيتي(موسكو)، وكان من الرموز السياسية المعبرة عن وجهة نظر حزبه الذي لم يغادره حتى اللحظة، وما يزال مسكوناً باتحاد الشعب الديمقراطي ومقيماً في داخله حتى يوم الناس هذا.

محمد عبدالله صالح الصديق والإنسان من الرموز الوطنية اليمنية الوحدوية، عدني الهوى يمني الهوية، عدني/ جنوبي متوج بحالة وطنية يمنية، لم أجده يوماً يخرج عن ذلك التماهي أو الامتزاج الخلاق بين عدنيته، وجنوبيته، ويمنيته.

غادرنا للخارج لأسباب ذاتية وإنسانية لا صلة لها بالهجرة السياسية، وفي رحلته المهاجرة الخاصة تلك بقي مرتبطاً بالناس وبالحياة في اليمن، غير راض في أعماقه عن بقائه خارج البلاد، وبقي هذان التوتر والقلق ملازمين له، ولحساسيته الزائدة والشديدة تجاه كل ما يجري في البلاد، داهمته  أمراض عديدة، هدت بنيته الجسدية القوية، بدءاً من تعب القلب، إلى أشياء أخرى لها صلة بتعب العمر.

في رحلة سفره للخارج كان وما يزال دائم الاتصال بي، بل ويغمرني بعطفه وكرمه ونبله.

كنت أجده وهو على بعد مئات الكيلومترات، أو أكثر، بجانبي وعلى مقربة مني، يطل علي بالتلفون ليقول : كيف أنت،كان يخفف عني معاناة، ووحشة ما نحن فيه.

اخبار التغيير برس

محمد عبدالله صالح إنسان وفي لأصدقائه، ولمن يثق بهم على وجه التحديد والخصوص، محب لمن حوله، له ظاهر، وباطن مثل كل البشر الأسوياء، ظاهره الواسع والعميق الشفاف لا يجعلك تحتاج لوقت لمعرفة باطنه، لشدة وضوحه في كل ما يريد قوله.

إنسان بوجه واحد  لم يعتد لبس الأقنعة في السياسة، وفي الاجتماع العام، ولذلك لا يحتاج للباطن  "التقية"  مثل البعض.

إنسان يشعر بمعاناة من حوله ويتألم ، مع أنه فقير الحال والمال، ولكنه في قمة الغنى، لم يكن يبخل بما لا يفيض عن حاجته لمن حوله من المحتاجين، ومن هنا حديثي في بداية الكلام أن الناس وحوش حتى تتعارف.

هناك كائنات، مثل حرف "الكاف" في التشبيه، - حسب تعبير/ محمود درويش- تستطيع أن تستغني عنهم، ويبقى الكلام كما هو، وتبقى أنت أنت، كما أنت .

إن من يجبرك غير صاغر على الكتابة يعني أنه يحبك، وحين تبدأ بالكتابة عنه، أو عن غيره، إنما تؤكد أنك تحبه أكثر، وذلك هو ما دفعني  للكتابة عن الصداقة في زمن الحرب.

الصداقة الحقيقية المؤسسة على مشاعر مدنية/ إنسانية هي، ضمن شروط موضوعية معينة من تقودك إلى بوابة المواطنة، والمواطنة هي سدرة منتهى حلمنا.

المواطنة فاصل حدي بين اشياء كثيرة  :  بين العمل والإنتاج، وبين مشجَّرة الانساب، بين الأنا الحرة، وبين القبيلة، فالمواطنة حد فاصل بين الصداقة وبين العنصرية، فهما لايجتمعان، بل يتناقضان، يمكن للحب والكراهية أن يجتمعا ،ويتعايشا، ولكن من المستحيل للصداقة المدنية، "المساواتية"، أن تتعايش مع العنصرية.. الصداقة فعل مواطنة، والعنصرية فعل نفي للجوهر الإنساني.. فإما الصداقة، والمواطنة، أو العنصرية، ولاخيار بينهم، هكذا أفهم الأمور.. وهكذا علمتني أبجدية القول الأولى، أن أسامح، على أن لا أنسى أسمي.

محمد عبدالله صالح إنسان من نوعية فريدة لا يدعي ما ليس فيه.

لقد كشفت الحرب القذرة أسوأ ما فينا كبشر، وكذا أبانت أجمل ما في البعض من خوابئ ومن كنوز قيمية وأخلاقية، ومن روح مقاومة للعفن السائد، كما فضحت مكبوتات عفنة عند البعض منا لم نكن نتوقعها منهم وفيهم على تصوراتنا المسبقة عن الناس من حولنا.

لقد علمتنا الحرب الجارية أن ماكنا نفهمه قبلها، ليس هو ذات الوعي والفهم، كما بعدها على كل المستويات الشخصية والعامة، وخاصة على مستوى الصداقات. .وكأنه علينا أن نردد اليوم مع شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني قوله:

 "والصداقات كالعداوات تؤذي/ فسواءٌ من تصطفي أو تعادي" .

نحن بحاجة إلى أن نرمم دواخلنا مما علق بها من صدأ صداقات مهلكة للروح، حتى لا نعيش واقع حالة مزدوجة ومركبة بين الصداقة والعداوة ..!! تذهب صفاء النفس.

فكما أتت الحرب على الكثير مما كان يبدو جميلاً في الظاهر، أتت كذلك بالتعب على أجساد البعض منا.. فمنهم من غادرنا في حالة احتجاج لما آلت إليه الأمور إلى عزلة ذاتية خاصة به،"تحايل على الموت"، ومنهم من أودت بحياتهم جلطة قاهرة فاستراحوا، من أن يعيشوا الموت في كل لحظة، ومنهم من بقي يحمل شجنه الذاتي/  الإنساني في داخله صابراً، ومقاوماً دون القدرة على البوح بكل ما في نفسه، فكان نصيبه أعطاب أصابت الروح، واعتدت على شرايين القلب بالإنهاك الجسدي وتكالب أمراض الدهر على روحه.

وصديقي الجميل الأستاذ/ محمد عبدالله صالح واحد من هذه الأسماء التي أتعبها الدهر، ومع ذلك حافظت على قيمتها الأخلاقية، وصفائها السياسي وعمقها الإنساني.

تحية لك محمد، الصديق (أبو مشعل) مع كل التمنيات لك وللزوجة الكريمة، أم مشعل.

التغيير برس