التغيير برس

نحن وأمريكا!!

عزالدين سعيد الاصبحي *

 

أخيرا خرج ترامب من البيت الأبيض ولم تزل ضجة ملاحقته قائمة وستبقى أمريكا مشغولة بالحالة الترامبية إلى حين.

 لكن السؤال الذي يبقى ماذا عن تأثير ذلك على منطقتنا ؟ وتجاذب الصراعات الإقليمية والدولية في هذه الرقعة الحيوية من العالم.

أنا أميل إلى القول إن خروج ترامب من البيت الأبيض وليس بالطبع الخروج من المشهد السياسي نهائيا على الأقل لفترة.

أميل إلى أن سبب خروجه لا علاقة له بالمنطقة العربية وصراعاتها وسياسته تجاهها سلبا أو إيجابا وإذا كان هذا عامل مهم فهو ليس الأساس وعلى الأقل بدراماتيكية ترك ترامب البيت الأبيض.

فالسبب الرئيسي هو أمريكي بإمتياز ويتمثل بأن أغلبية الأمريكيين صوتوا ضد ترامب بالفعل، فهو حصد ما يقارب أقل من النصف لكن أكثر من النصف قالوا ( لا ) هذه (ال لا ) هي الأساس الذي حاول ترامب أن يتجاهله فكانت كارثته لو رضخ لها من أول أو ثاني أو ثالث وهله وسلم لكان تيار الترامبية يصنع تحولا في صنع أكبر إنقسام لمؤسسات الدولة الأمريكية.

 ولكن طيش خروج العامة يقتحمون الكونجرس ( وصورة ذو القرنين - نسبة للصورة الشهيرة لمتظاهر برز يرتدي قناعا بقرني ثور يقتحم الكونجرس) دمرت إنجازه وبالعودة إلى تأثير قضايا الشرق الأوسط في صنع التحولات الكبرى داخل أمريكا نحن نقرأ الصورة معكوسة فالذي يحدث العكس حيث تتأثر مسارات العلاقات في المنطقة بأجنحة الضغط وقوى المصالح داخل المؤسسات الأمريكية وهم من يحدث فرقا في مسار سياساتنا وليس نحن من يحدث الفرق ويصنع السياسة هناك بل تلك الأجنحة من تحدث فرقا في منطقتنا ولا تزال محاولاتنا في صنع (لوبيهات) أو جماعات ضغط جنينية تماما وهي على سبيل المثال أقل من جماعات إيران مثلا  ناهيك عن إسرائيل. 

لهذا القول عن مدى التغييرات العميقة التي يمكن أن تحدث بهذه الرقعة الحيوية من العالم بعد خروج ترامب يجب أن تؤخذ بكثير من الحذر وعدم الذهاب بعيدا

حيث ستبقى عوامل الصراعات الإقليمية مؤثرة ومدى تماسك الحكومات مع شارعها الوطني واستقرار نظامها الداخلي هو اللاعب الرئيسي.

وحتى الآن الصورة الواضحة أن سبب رحيل ترامب هو أن هناك  أغلبية صوتت ضده ولامجال لتصديق أن هناك تزوير حدث فالعملية الإنتخابية تمت في الولايات المتحدة الأمريكية وليس في جمهورية من جمهوريات الموز بالإضافة إلى حالة فشل اقتصادي أصاب فئات المجتمع الأمريكي والاستخفاف بإجراءات الإحتراز من تفشي فيروس كورونا والذي من الواضح أنه اُستغل في توجيه ضربات قوية على مستوى العالم لوقف أي احتجاجات شعبية ابتداء من أوروبا وانتهاء في بلدان العالم الثالث.

 ولم تنجو أمريكا من الضرب السياسي نفسه لظاهرة فيروس كورونا حيث نجد خطاب جو بايدن  ومناهضي ترامب تأخذ عليه فشله في مواجهة الوباء وهي الضربة الموجعة التي بسببها ترنح ترامب وتحاصر الترامبية نفسها الآن. 

والجانب الآخر رسوخ الثقافة الديمقراطية في أوساط الفاعلين السياسيين بأمريكا الذين لم يقبلوا بالفوضى وفي مقدمة هؤلاء فاعلين في الحزب الجمهوري نفسه أكثر من الديمقراطي.

اخبار التغيير برس

 ففي آخر القول حسموا الأمر بالتضحية بترامب على أن يضحوا بقيم الديمقراطية!

وتحدد المائة يوم الأولى لإدارة بايدن الأولويات والتي نراها تنصب لإرضاء الشارع المحلي من رفع مستوى معيشي للفئات المتضررة ومكافحة كورونا والتركيز على إعادة الثقة بالحكومة لدى فئات الشعب الأمريكي  بالذات تلك التي لا زالت تراه غير شرعي وتميل لتصديق ترامب أن الإنتخابات زورت وسرقت منهم وهذا سيكون جل اهتمامه كون الثقة بالحكومة اهتزت إلى حد مؤشر الخطر.

 وبما يخص ملفات الخارج فالصين وروسيا والعقوبات على إيران تبقى الملفات الأكثر اهتماما في الشارع الأمريكي ولن يتم مخالفة جذرية لما تم في عهد ترامب ولو لفترة كون خطاب المصالح الأمريكى مرتفعا فيها

وستبهت اهتمامات الملفات الأخرى

ولهذا القول أن ما سيجري في منطقتنا العربية سيكون مسارا أمريكيا مغايرا تماما على ما تم في عهد ترامب أمر مبالغ فيه. 

فما تم من خطوات وسياسات مختلفة صنعت بريقا في دوائر أمريكية ولكن لم تكن سببا في تحريك الشارع الأمريكي.

 سنجد سياسات الإدارة الأمريكية تحت قيادة الديمقراطيين وإن اختلف غلاف الكتاب لا يغير مضمونه وإن تبدل أسلوب التعاطي الإعلامي لا يغير قائمة المصالح المعقدة.

وقد يذهل البعض وهو يجد أصوات الحرب تعود والإجراءات المغلظة تجاه إيران تتصاعد وتيرتها بطريقة أكثر قسوة ولكن بطريقة أكثر نعومة من طريقة ترامب الخشنة. 

وبالتالي فإن الدرس الذي تقدمه أمريكا للشرق الأوسط مع رحيل ترامب وقدوم بايدن هو أن بناء مشروع عربي متماسك وصون المصالح الإقليمية لنا القائم على مصالحة حقيقية مع شعوبنا وتعزيز مشاريع التنمية والاستقرار في بلداننا هي حجر الزاوية لدرء خطر التهديدات الإقليمية وبناء علاقات دولية سليمة قائمة على مصالح مشتركة دون قلق.

 * سفير الجمهورية اليمنية بالمغرب

"نقلا عن الاهرام المصرية"

التغيير برس