التغيير برس

حقيقة العملات المشفرة أو الرقمية ومدى الاستفادة منها

محفوظ الفلاحي

 يشهد العالم ظاهرة غريبة وجديدة اسمها العملات المشفرة أو الرقمية منها (البيتكوين) وأنواع أخرى ، الأمر الذي أدى إلى انقسام العالم إلى فريقين، الأول يعتقد انها تطور تكنولوجي هائل وفرصة عظيمة للاستثمار بينما الفريق الثاني يرى أنها أكبر عملية نصب في التاريخ.

 هذا الانقسام حول العملات المشفرة غير مقتصر على عامة الناس ولكنه يمتد إلى نخبة النخب، على سبيل المثال رجل الأعمال إيلون ماسك أغنى رجل في العالم، ويعتبر هذا الشخص حريص على الاستثمار والترويج للعملات المشفرة، والذي يؤمن بأنها مستقبل العملات المشفرة على الأرض وفي الفضاء الخارجي، بينما يسخر الملياردير وارن بافيت وهو أهم مستثمر في العالم ويرى بأنها سم فئران لا يجب أن تقترب منها فضلا عن الاستثمار فيها.

لمحة ضرورية

كما نعلم ويعلم الجميع أن مهمة إصدار العملات هي من اختصاص البنك المركزي الذي يعتبر بنك البنوك في الدولة والجهة المالية المخول لها إصدار العملات المالية ويعتبر أحد مظاهر السيادة في أي دولة من الدول.

في الدول الحديثة الدولة فقط من خلال البنك المركزي هي التي تصدر العملات ولا يمكن السماح للأفراد إصدار هذه العملات، حيث أن الدولة عندما تصدر أي عملة يكون لديها عدة ضوابط الهدف الاساسي من هذه الضوابط أن يكون هناك توازن بين المعروض من النقود وبين ما تتنجه دولة ما الدولة المصدرة للعملة من سلع مثل السيارات وأجهزة الهواتف الذكية والخدمات مثل الصحة والتعليم والسياحة ...إلخ.

 
النظام الفوضوي

تعتبر العملات المشفرة هي النظام الفوضوي بوضعها الحالي وهي عبارة عن أكواد برمجية طورها منتجوها وأطلقوا عليها نقود أو عملات مثل البيتكوين، وأكثر من خمسة ألف عملة أخرى تسمى عملات مشفرة، وهذه العملات أطلقها أشخاص أو جماعات لأغراض متباينة وليست دول، وهذه العملات لا تصلح أن تكون عملات لان العملة من آلاف السنين لها شروط محددة وهي :

          أن تكون وسيط مقبول للتبادل

          أن تكوم بخسا للقيمة

          أن تكون وحدة حسابية

وهذه الشروط لا تتوفر في البيتكوين أو غيرها من العملات الرقمية وهي غير وسيط مقبول في كل مكان في العالم ، حيث أنها مقبولة من شريحة بسيطة ولا تحظى بالقبول العام ولا تعتبر وحدة حساب وليست مخزن للقيمة يمكن التعويل عليها لان سعرها يتغير من يوم لآخر.

فمن الملاحظ أن عملة البيتكوين قفزت من لا شيء إلى مبلغ 55 ألف دولار ولكن هناك تراجعات كبيرة جداً وفي حالة الصعود وفي حالة الهبوط لا أحد يعلم السبب ولا يمكن توقعه، أما سبب ارتفاع سعرها وانخفاضها هو عملية المضاربة عليها أو عملية الطلب عليها، وهذا الطلب ليس قائما لأي سبب وجيه أو جوهري سوى إيمان من يستثمر فيها أنه سوف يشتريها اليوم وسوف يبيعها في الغد بسعر أعلى.

وعلى هذا الاساس مهما ارتفع قيمتها أو سعرها لا يمكن القول أنها مخزن للقيمة بالمعنى المعروف مثل بقية العملات مثل اليورو أو الدولار والذي يمكن توقع ارتفاعه أو انخفاضه 10% ويمكن توقع سعره في المدى المنظور بشكل مقبول ويعتبر وحدة حساب.

تبدل مواقف

هناك أشخاص كانوا متحمسين ومندفعين نحو استخدام العملات المشفرة كبديل للعملات المتداولة ولكنهم سرعان ما تراجعوا عن حماسهم تجاه العملات الرقمية أو المشفرة ومن هؤلاء نسيم نيقولا طالب وهو اقتصادي شهير من أصل لبناني وصاحب كتاب (البجعة السوداء)، حيث يرى أنها فشلت بسبب التذبذب الهائل جداً في أسعارها وأن تكون بدلاً للنقود وقام بالتخلص من عملة البيتكوين التي كان يملكها.

المبشرين والدعاة إلى استخدام العملات المشفرة يطرحون قضية أن النقود المتداولة الدولار واليورو وغيرها ... يمكن أن يتم التلاعب بها من قبل الحكومات وبالتالي يحدث انفصال بين الأوراق المصدرة وبين الاقتصاد الحقيقي، وبالتالي قاموا بابتكار نظام عبقري واستخدام التكنولوجيا بشكل ذكي جداً بحيث يتم اصدار عدد وحدات معين ويتم تحديده ب21 مليون وحدة، بحيث أنك إذا كنت تملك البيتكوين وأنفقت منه سوف ينتقل منك بشكل آمن للطرف الآخر وغير ممكن أن يحدث صرف متكرر ...إلخ بسبب التكنولوجيا المستخدمة فيه ولكن المشكلة الوحيدة هي أنها ليست نقود.

 

من هم المؤيدون والمعارضون؟
المؤيدون قد يكونوا إحدى اثنين وهم المبشرين بمرونة العملات المشفرة وغير المقيدة بروتين المعاملات الخاضعة لسيطرة الحكومات وهم :

-          مضاربون يسعون لربح سريع

-          مهتمون بالتكنولوجيا

وهؤلاء الصنفين مصالحهم وتصوراتهم مرتبطة بالعملات المشفرة، أما الفريق الغير مهتم والمعارض وربما المهاجم هم :

-          الاقتصاديون

-          المستثمرون الحقيقيون

العملات المشفرة والأمن

يصف مفهوم "العملات المشفرة والأمن" بتلك المحاولات التي تعمل من أجل الحصول على عملات رقمية بوسائل غير قانونية، على سبيل المثال من خلال التصيد الاحتيالي أو الاحتيال أو الهجوم على سلسلة الإمداد أو القرصنة أو التدابير لمنع معاملات التشفير غير المرخص بها وتقنيات التخزين. في الحالات القصوى، يمكن اختراق أي جهاز كمبيوتر حتى ولو كان ذلك الجهاز غير متصل بأي شبكة.

النقود المشفرة (Crypto Coins) أو العملات المُشَفّرة (Crypto currency) أو اختصاراً "كريبتو" (crypto)، هي شكلٌ من أشكال العملات الرقميّة (Digital Currency) التي يتمّ إنشاؤها وتشغيلها وإدارتها بواسطة تقنية البلوكتشين (Blockchain). لا تحتوي العملات المشفرة (الكريبتو) على مكافئٍ ماديٍّ في العالم الحقيقي. ولا يوجد عملات معدنية مادية لتمثيل قيمة العملات المشفرة، على الرغم من أن بعض النسخ المعدنيةّ لهذه العملات قد تمّ صناعتها لأغراض ترويجية أو كأداةِ تصّور لهذه العملات فقط. فالعملات المشفّرة هي رقمية بحتة (Pure Digital).

البيتكوين

إنّ البيتكوين (Bitcoin) هو المثال الأكثر شيوعاً للعملات المُشفّرة (الكريبتو) ولكن هناك العديد منها أيضاً، مثل عملة "لايت كوين" (Litecoin) و"إيثيريوم" (Ethereum) اللذين تمّ تصنيعهما لمنافسة البيتكوين أو لاستخدامهما في الأسواق المنافسة.

وتعتبر البيتكوين العملة المشفرة رقم 1 من حيث الملكية والسعر وسهولة الاستخدام ويعود شعبيتها في الغالب إلى كونها أوّل عملةٍ مشفرةٍ في السوق وإلى كون هوية علامتها التجارية لا لبس فيها يقبل الكثير من المتاجر العادية والمتاجر المنتشرة عبر الإنترنت التعامل بالبيتكوين، ويمكن الوصول إليها أيضاً من خلال العديد من أجهزة الصراف الآلي (ATM) الموجودة في المدن الرئيسية في بعض دول العالم والتي يزداد عددها باستمرار.

اخبار التغيير برس

 

عملات مشفرة منافسة

هناك العديد من العملات الرئيسية المشفرة المنافسة للبيتكوين، مثل عملات "لايتكوين" (Litecoin) و"إيثيريوم" (Ethereum) و"مونيرو" (Monero) و"داش" (Dash). بينما العملات الرقمية الأصغر مثل "ريبل" (Ripple) و"أومايس غو" (OmiseGo) لديها أيضاً إمكانية اعتمادٍ أكبر في المستقبل بسبب دعمها من قبل المؤسسات المالية الرئيسية.


يمكن أن تحصل العملات المُنبثقة عن بيتكوين مثل عملة "بيتكوين كاش" (Bitcoin Cash) والتي يُرمز لها اختصاراً (BCash) وعملة "بيتكوين غولد" (Bitcoin Gold) على الكثير من الضجيج على الإنترنت، ويمكن أن تبدو أسعارها مثيرةً للإعجاب، ولكن من غير الواضح ما إذا كان لهاتين العملتين أيّ قوةٍ دائمةٍ حقيقيةٍ بسبب التصوّر المتزايد لهذه العملات كتقليدٍ رخيصٍ لبلكوتشين البيتكوين الرئيسي (Bitcoin blockchain).

على الرغم من استخدام كلمة "بيتكوين" ضمن هذه العملات المشفرة الرخيصة، فإنّ هذه العملات هي عملاتٌ منفصلةٌ تماماً عن العملة الرئيسية (بيتكوين) على الرغم من أنها تستخدم تقنيةً مماثلة. غالباً ما يتمّ خداع المستثمرين الجدد لشراء

عملة "بيتكوين كاش" (BCash)، معتقدين أنّها نفس عملة بيتكوين (Bitcoin) الشهيرة المعروفة، في حين أنّها ليست كذلك.

الانجذاب للعملات المشفرة


بشكلٍ عام، ينجذب معظم مالكي البيتكوين والعملات المشفرة الأخرى إلى التكنولوجيا بسبب معاملاتها الأرخص والأسرع وإمكانات الاستثمار الضخمة.

جميع العملات المشفرة لامركزية، مما يعني أن قيمتها بشكلٍ عام، لن تتأثر سلباً بوضع أيّ بلد أو أيّ نزاعٍ دولي. على سبيل المثال، إذا دخلت الولايات المتحدة في حالة ركودٍ اقتصاديّ، فمن المحتمل أن تنخفض قيمة الدولار الأمريكي ولكن بيتكوين وغيرها من العملات المشفرة لن تتأثّر بالضرورة. ذلك لأنّ هذه العملات المشفّرة ليست مرتبطةً بأيّ مجموعةٍ سياسيّةٍ أو منطقةٍ جغرافيّة. تُعدّ هذه اللامركزية جزئياً السبب في أن بيتكوين أصبحت شائعةً جداً في البلدان التي تكافح مالياً، مثل فنزويلا وغانا.

العملات المشفرة هي أيضاً انكماشية هذا يعني أنّ هذه العملات جميعها مبرمجةٌ لإنشاء عددٍ محدّدٍ من العملات المشفرة على البلوكتشين الخاصة بها من الطبيعي أن يؤدي هذا العرض المحدود إلى زيادة قيمتها عندما يبدأ المزيد من الأشخاص في استخدام هذه العملة المشفرة وبالتالي تصبح أقلّ توفراً.

وهذا يعمل في تناقض صارخ مع العملات الورقية التقليدية حيث يمكن للحكومات ببساطة اختيار طباعة المزيد من الأموال التي يمكن أن تقّلل قيمتها بشكلٍ كبيرٍ مع مرور الوقت.

لفهم أكثر


الكريبتوجرافي Cryptography أو التشفير هي عملية إخفاء البيانات من سياقها المعتاد والمتداول إلى سياق آخر غير معلوم للعامة بشكل يحفظ سرية محتواها، وهي ليست عملية مستحدثة، فمبدأ التشفير استخدم في العديد من المجالات الدبلوماسية والعسكرية قديمًا وله استخدامات عديدة مصرفية ومعلوماتية في وقتنا المعاصر.

ومع تطور علوم الرياضيات والحاسب الآلي والاتصالات أصبحت علمية التشفير وفك التشفير تستند إلى خواريزميات حسابية معقدة يصعب حلها، وحتى لو كانت علمية كسر الشفرة أو حل هذه الخواريزميات – دون فكها بالطريقة التي أُعدت بها من البداية - متاحة نظريًا، فإنه يكون من غير الممكن القيام بها عن طريق الوسائل المعلوماتية المعروفة والموجودة حاليًا، وهذا هو سبب ثبوت افتراض أمنها وسريتها إلى الآن.

وهذا ما عرف باسم " تحليل الشفرة" أو Cryptanalysis ويعني دراسة فك خواريزميات التشفير وتطبيقاتها للحصول على محتوى المعلومات أو الأصول المشفرة ومصدرها دون الوصول إلى المفتاح المطلوب للقيام بذلك.

ومن هنا ولدت فكرة انشاء العملة الرقمية Crypto currency ، العملة الافتراضية الرقمية التي تم تشفيرها للتعاملات الآمنة والسرية، حيث يتم إنشائها وتخزينها إلكترونيًا دون وجود سلطة أو بنك مركزي يتحكم فيها، ولا يوجد لها كيان فيزيائي ملموس مثل العملات الاعتيادية الأخرى كاليورو والدولار.

ويوجد اليوم في الأسواق أكثر من 1324 عملة رقمية مشفرة والتي على الرغم من كونها عملة افتراضية إلكترونية إلا انها انتشرت في التعاملات الإلكترونية على شبكة الإنترنت وقُبلت في الكثير في المتاجر العالمية وعلى رأسها البيتكوين Bitcoin.

وقد تم إنتاج معظم العملات الرقمية على فكرة أن لها سقف سوقي، أي أن علمية التشفير من البداية كونت عدد محدد من العملات ومع كل عملية فك تشفير يقلل عدد المخزون تدريجيًا، وهذا شبيه بفكرة المعادن النفيسة.

ولفهم هذا بشكل أبسط، البيتكوين كعملة تم تشفيره من البداية على أن يحوي 21 مليون قطعة فقط، وبمجرد الانتهاء من تعدينهم أو استخراجهم، لن يكون هناك بيتكوينات جديدة، أي لن يتم طباعة أموال جديدة كما يحدث في العملات الاعتيادية الأخرى، وهذا يعني أنك لو تمتلك 1 بيتكوين فهذا يعني أنك تمتلك 1/21000000 من إجمالي ثروة العالم من البتكوين.

 

ختاماً

أورد المجلس الإسلامي السوري عدة أسباب منطقية لتحريم التعامل بهذه العملات المشفرة -كالبيتكوين وغيرها في وضعها الحالي، أهمها :

1- أنه يتم إنتاجها برمجيًا في بيئة إلكترونية مشفَّرة، ويكون التعامل بها وتداولها إلكترونيًا، أي ليس لها وجود في الواقع، فهي غير محسوسة كالعملة الورقية.

2- أنها لا مركزية، ولا تصدر بموجب قانون ذي سلطة معتبرة، ولا ترعاها حكومة، بل يغلب عليها الجهالة في المصدر والنشأة، في حين أن العملات هي أحد أوجه السيادة والاستقلال في الحكم وفي الاعتبارات السياسية.

3- عدم وجود مرجعية لتقويمها في التداول والتسعير، ولا مرجعية في الرقابة على السيولة المتدفقة في الأسواق.

4 – هذه العملات المشفرة ليس لها غطاء من الذهب أو سلة العملات أو الاحتياطي الأجنبي أو غير ذلك مما هو متعارف عليه في الاقتصاد النقدي مما يحدد قيمة العملة وقوتها، ولذلك لا تكتسب هذه العملات المشفرة أي قوة ثمنية، وليس لها قانون في إنتاجها واعتبارها ورقابة وجودها في السوق وتقدير ثمنيتها، فهي مجرد أرقام وأشكال إلكترونية مشفرة ببرمجيات معينة لا علاقة لها بالاقتصاد ومبادئه، وإصدار الأموال وأصولها.

5- يحف هذه العملات مخاطر كثيرة وشبهات واضحة، فعدم وجود اعتبار قانوني لها وضوابط في تداولها والرقابة عليها يعني إمكانية تداولها بطرق إلكترونية مشبوهة، وتصبح سوقًا رائجةً لتجار العملات بطرق غير شرعية، وللعصابات.

التغيير برس