التغيير برس

وداعاً أيها العالم الجليل

 
          أ.د. أحمد قايد الصايدي
 
 
في يوم أمس، الأحد الموافق 4 أبريل 2021م، رحل عنا زميل عزيز وعالم جليل، الأستاذ الدكتور يوسف محمد عبد الله، ملتحقاً بزملائه، الذين رحلوا عنا في الأشهر الأخيرة، واحداً تلو الآخر. جيل من الأساتذة الكبار يطوي رحلة العمر، المليئة بالعطاء وبالشقاء معاً، مخلفاً فراغاً في الحياة الأكاديمية، ليس من السهل ملؤه. 
 
كان الدكتور يوسف ضمن الرعيل الأول، الذي انضم إلى سلك التدريس في جامعة صنعاء، بعد تخرجه من جامعة ماربورج الألمانية. وسرعان ما أصبح أحد أعلام المتخصصين في التاريخ اليمني القديم، وعالماً بارزاً في مجال الآثار والنقوش اليمنية، تتلمذ على يديه الكثيرون ممن أصبحوا فيما بعد أساتذة جامعيين، والكثيرون من المشتغلين في مجال الآثار اليمنية.
 
تصادف سفري لمواصلة دراستي العليا في ألمانيا، في عام 1975م، مع انتهائه من دراسته في العام نفسه. ولكننا لم نتقابل ونتعارف إلا في جامعة صنعاء، بعد أن أكملت دراستي في عام 1981م، وقدمت شهادتي إلى لجنة معادلة الشهادات، التي كان الفقيد يرأسها. ثم تزاملنا في قسم التاريخ والآثار. وعندما استُحدث قسمان (قسم التاريخ وقسم الآثار)، ليحلا محل قسم التاريخ والآثار السابق، أصبحنا في قسمين مختلفين، ولكنهما قسمان متكاملان، كان هو في قسم الآثار، الذي رأسه أحد علماء الآثار، الأستاذ الدكتور عبد الحليم نور الدين، وكنت أنا في قسم التاريخ، الذي رأسه أحد علماء التاريخ، الأستاذ الدكتور محمد أنيس، وكلاهما من مصر، تغمدهما الله بواسع الرحمة.
 
وكانت جامعة صنعاء، وهي الجامعة الوحيدة في شمال اليمن في ذلك الحين، كانت تعيش أزهى مراحلها، بوجود أساتذة كبار من أقطار عربية مختلفة. وكان الأساتذة اليمنيون، يتقدمون في مسارهم العلمي، ويثبتون قدراتهم ويحتلون مواقع علمية متقدمة، وكان يوسف على رأس أولئك الأساتذة اليمنيين، الذين يتقدمون.
 
امتدت زمالتنا من قسم التاريخ والآثار، إلى الجمعية اليمنية للتاريخ والآثار، التي تمكنا من عقد مؤتمرها التأسيسي في فبراير من عام 1987م. وفي ذلك المؤتمر انتُخبت هيئة إدارية للجمعية، من خمسة أساتذة، من قسمي التاريخ والآثار بكلية الآداب، وهم: يوسف محمد عبدالله وحسين عبدالله العمري وسيد مصطفى سالم وعبدالله حسن الشيبة وأحمد قايد الصايدي. وكلف أعضاء الهيئة الإدارية من بينهم أحمد قايد الصايدي رئيساً للجمعية ويوسف محمد عبدالله نائباً للرئيس، وحسين عبدالله العمري مسؤولاً مالياً. وعملنا معاً في الهيئة الإدارية بانسجام تام. واتجهنا إلى إنشاء فروع للجمعية في بعض المحافظات. 
 
وفي مطلع عام 1989م تشكلت في جامعة عدن لجنة تحضيرية، لإنشاء جمعية للمؤرخين والآثاريين اليمنيين في جنوب الوطن. وكانت جامعة عدن حينذاك الجامعة الوحيدة في الجنوب. وضمت تلك اللجنة الدكتور صالح علي باصرة (رئيساً)، والدكتور عبد الله باوزير والدكتورخالد عبد الجليل شاهر والأستاذ محمد شكري والأستاذ فيصل كبشي، أعضاءً. ولكن تلك اللجنة، عدَلت عن إنشاء جمعية في الجنوب، ورأت بأن تتواصل معنا لإنشاء جمعية يمنية موحدة. ولهذا الهدف قدمت إلى صنعاء في النصف الثاني من العام نفسه. وتم عقد لقاءات معها في مركز الدراسات والبحوث اليمني، بحضور رئيس المركز، رئيس جامعة صنعاء حينذاك، الأستاذ الدكتور عبد العزيز المقالح، الذي شجع ورعى قيام الجمعية الموحدة ووفر الدعم اللازم لإنشائها. وتواصلت لقاءاتنا مع اللجنة، في عدن وفي صنعاء، حتى أكملنا التحضيرات اللازمة لعقد المؤتمر التوحيدي. 
 
وفي نوفمبر من العام نفسه، 1989م تم في إحدى قاعات كلية الآداب بجامعة صنعاء، عقد المؤتمر التوحيدي، الذي وحد المؤرخين والآثاريين اليمنيين، في إطار واحد (الجمعية اليمنية للتاريخ والآثار)، وتم في ذلك المؤتمر دمج الهيئة الإدارية لجمعية الشمال باللجنة التحضيرية لجمعية الجنوب، ليشكلا معاً الهيئة الإدارية للجمعية اليمنية للتاريخ والآثار الموحدة. وكانت هذه الجمعية هي المكون الثاني الذي جسد وحدة اليمن، بعد اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وذلك قبل تحقيق الوحدة السياسية.
 
كانت تلك هي أهم المحطات العلمية والعملية، التي جمعتني بالراحل العزيز، في جامعة صنعاء وفي الجمعية اليمنية للتاريخ والآثار. أما في الخارج فقد جمعتنا زمالة مؤسسة فون همبولدت البحثية الألمانية، ومؤتمراتها العلمية.  
 
تميز الفقيد، الذي صنع لنفسه اسماً معروفاً في مجال الآثار والنقوش، على المستوى الداخلي والخارجي، تميز بالبشاشة والود ولطف المعشر. وكان له حضور مميز في الندوات والمؤتمرات العلمية في داخل اليمن وخارجه، يضاف إلى حضوره المؤثر في جامعة صنعاء، وإلى قربه من نفوس زملائه الذين انتفعوا بعلمه، وطلابه الذين تتلمذوا على يديه. وقد خلف وراءه العديد من الكتب والأبحاث المنشورة، التي شكلت بمجموعها مراجع للدارسين والباحثين العرب والأجانب. 
 
لقد فقدنا برحيله زميلاً عزيزاً، وفقد اليمن عالماً جليلاً من علمائه وأستاذاً كبيراً في علم الآثار والنقوش اليمنية، قد يمضي وقت طويل، قبل أن يأتي من يسد الفراغ الذي خلّفه. تغمده الله، بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وزملاءه وطلابه وأصدقاءه وكل محبيه الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
 
صنعاء، 5 أبريل 2021م

اخبار التغيير برس

التغيير برس