التغيير برس

مطلوب سلام يمني دائم وليس هدنة تنبثق عنها صراعات جديدة

د.عبدالله أبوالغيث

 

   كثرت التحركات الإقليمية والدولية هذه الأيام وزاد الحديث عن محادثات ومفاوضات بين أطراف الحرب (الداخلية والخارجية) الدائرة في اليمن منذ ما يقارب السبع سنوات، حيث من المتوقع لتلك المحادثات والمفاوضات أن تفضي لتوقيع اتفاقية سلام دائمة، وعودة توحيد سلطات الدولة اليمنية في إطار واحد.

   ومن واقع تجارب سابقة شهدتها اليمن في تاريخها المعاصر وكذلك مقارنة الوضع اليمني بأوضاع مشابهة له في بلدان أخرى شهدت صراعات وحروب، نستطيع القول أن عملية إيقاف الحرب يجب أن لا تكون غاية لذاتها، لكنها وسيلة لتكريس سلام دائم وشامل.. أو هكذا يفترض.

   فإيقاف الحرب دون التوافق على معايير واضحة لتكريس ثقافة التعايش وتأسيس دولة عادلة تُحترم فيها القوانين والأنظمة وتسود فيها مبادئ المواطنة المتساوية بين جميع أبناء شعبها بمختلف مكوناتهم الجهوية والمذهبية والفئوية والسياسية، لن يولد لنا إلا هدنة للأطراف المتحاربة، ستنبثق عنها جولات جديدة من الصراعات والحروب ربما تكون أشد وأنكى من الحرب الحالية.

   وما حرب صيف عام 1994عنا ببعيد، حيث اعتقد الطرف المنتصر فيها أنه قد حسم الأمر لصالحه، لكن كانت المفاجأة أن ذلك الحسم العسكري الذي لم يأخذ في الحسبان تصحيح الاختلالات التي قامت بسببها الحرب قد أنتج لنا أزمة كانت أكبر بكثير من القضايا التي اشتعلت بسببها الحرب.. وذلك مجرد مثال فقط، وستتوارد في ذهن القارئ مواضيع كثيرة مشابه له سواء في إطار اليمن أو خارجها.

   وهو ما يجعلنا ننبه هنا على قضايا كثيرة يفترض مراعاتها عند الاتفاق على ترتيب الأوضاع اليمنية بناء على أي اتفاقية سلام يتم التوقيع عليها، لنضمن أن ذلك السلام سيتحول إلى سلام دائم، ولن يكون مجرد هدنة يستريح خلالها المتحاربون ليعاودوا بعدها اشعال الصراع من جديد.. وتلك القضايا هي:

   أولاً: الاستئناف الفوري لصرف مرتبات الموظفين المنقطعة، ووضع آلية واضحة وجادة لتسليم المرتبات المتأخرة التي تراكمت في ذمة الدولة لبعض موظفيها، مع مراعاة رفع مرتبات جميع الموظفين اليمنيين بما يضمن سبل العيش الكريم لهم، وجبر الضرر الذي لحق بمن يستلمون مرتبات بسبب الانخفاض الكبير لسعر الريال اليمني مقارنة مع سعره قبل اشتعال الحرب.

   ثانياً: إنهاء الانقسام بين طبعتي الريال اليمني القديمة والجديدة وتوحيد السعر وفقا لسعر العملة القديمة الأكثر ارتفاعاً، بحيث يتم التعامل بالعملتين في ربوع كل الأراضي اليمنية وبسعر موحد، ومنع المضاربة بالعملة التي أصبحت تجارة رائجة في اليمن ولها سوقها الخاص حتى بين البنوك ومؤسسات التحويل والصرافة، وذلك بهدف تخفيف المعاناة من الارتفاع الجنوني لأسعار السلع التي أثقلت كاهل المواطن، مع ضرورة مراجعة الأسعار وفقاً لآلية منضبطة وعدم تركها لمزاج التجار هنا وهناك، بما فيها أسعار الغاز والمشتقات النفطية التي أصبحت وسيلة من وسائل العبث بالمواطنين من قبل قوى الفيد والفساد.

   ثالثاً: ضمان تحصيل جميع الإيرادات العامة دون تهاون في التحصيل أو مبالغة فيه، ومنع أي تعديات في جباية أي أموال من المواطنين خارج إطار القوانين واللوائح، أو تحول أي مؤسسة أو منطقة كإقطاعية خاصة لهذا الطرف أو ذاك، وضمان توريد أموال الدولة بشكل كامل ونزيه إلى خزينة الدولة، وكذلك وصول الخدمات والمشاريع التنموية إلى مختلف المناطق بشكل عادل ومخططاً له وعدم تركها للعشوائية والارتجال ومزاج هذا المسؤول أو ذاك النافذ، واحترام حق المواطنين اليمنيين في التنقل الحر بين مناطق وطنهم المختلفة دون أي عوائق أو تقطعات، وحصر النقاط الأمنية على الطرق في الجهات الرسمية فقط وبشكل كامل.

اخبار التغيير برس

   رابعاً: إخضاع كامل التراب الوطني للسلطة الوطنية الموحدة التي سيتم التوافق عليها، وعدم السماح مطلقا وبشكل صارم لأي طرف لأن يجعل من نفسه دولة داخل الدولة كما نرى الآن في أكثر من منطقة يمنية، وجعل السلاح خصوصاً الثقيل والمتوسط حكراً على الدولة، وإخضاع أي تشكيلات مسلحة بشكل كامل لقيادة الجيش أو قوات الأمن وفقا لمعايير وطنية صريحة بعيداً عن التحشيد المناطقي أو المذهبي أو السياسي أو غيره، وضمان استقلال القوات المسلحة والأمن وحصر ولائها للوطن ومنع أي ارتباط لها خارج ذلك الولاء سواء كان لأطراف داخلية أو خارجية.

   خامساً: الرفض القاطع والمطلق لأي امتيازات تُمنح لفئة من المواطنين اليمنيين دون غيرهم بغض النظر عن المبررات التي ستطرح، وفي الوقت نفسه منع الاستهداف السلبي لأي فئة يمنية مهما كانت التسويقات التي سيتم الترويج لها، فمعظم مشاكلنا التي نعيشها هي نتاج إما لتغول هذا الطرف أو إقصاء ذاك، وهو ما يوجب علينا التأكيد الكامل على ضمان دولة المواطنة اليمنية المتساوية والعادلة، مع الاستفادة من التجارب الناجحة في هذا المجال سواء من عصور التاريخ اليمني أو من خبرات الشعوب الأخرى التي مرت بتجارب مشابهة.

سادساً: إخضاع كل المكونات والتشكيلات السياسية لدستور وقوانين الدولة اليمنية، وتجريم أي تشكيلات تتم خارج ذلك الإطار والتعامل معها كعناصر متمردة على الدولة وعلى قوانينها، ومنع أي أنشطة للأحزاب والتنظيمات والجماعات السياسية خارج الأطر القانونية، والتعامل معها كمكونات وطنية عامة تخضع لسلطات الدولة، والتجريم المطلق لأي تواصلات لها مع الخارج إلا وفق ما تسمع به قوانين الدولة اليمنية المنظمة لعملها، وحصر كل التواصلات الخارجية في إطار الجهات الرسمية للدولة، بحيث تكون كل الزيارات بتكليف وإذن منها، وتنحصر فقط في المسولين من ذوي العلاقة بذلك الجانب.

   سابعاً: استبعاد كل من ثبت عليه أي نوع من أنواع الفساد أو مخالفة القوانين من تولي أي منصب رسمي عام، والتأكيد الصارم بأن أي مسؤول عام في أي سلطة أو مؤسسة من مؤسسات الدولة إنما هو ممثل للدولة ودستورها وقوانينها، ولا يجوز مطلقاً تنفيذه لتوجيهات المكون السياسي الذي ينتمي إليه في إطار سلطاته الحكومية الرسمية بأي حال من الأحوال حتى إن وصل إلى موقعه الحكومي العام كممثل لذلك المكون فهو يعمل وفق خطة رسمية شاملة، وكذلك لا يجوز له إخضاع منصبه لأهوائه وانتماءاته الشخصية فعلاً أو قولاً، وفي حال حدوث أي شيء من ذلك يتم الإعفاء الفوري له من منصبه، مع تصحيح معايير التنافس بين اليمنيين بحيث تخضع للشهادة والخبرة والقدرة والنزاهة وليس لانتماءات الأشخاص وألقاب أسرهم.

   ثامناً: إخضاع كل التعيينات في الكادر السياسي والإداري للدولة للمعايير القانونية ورفض أي تعيينات مخالفة مهما كانت المبررات، ووضع آلية واضحة تحدد جهات التعيين بدقة في كل منصب، وذلك من أجل منع تنازع الصلاحيات بين المؤسسات وبين السلطة المركزية والسلطات المحلية، ووضع معايير محددة لأي تكليف في هذا المنصب أو ذاك بحيث تكون التكليفات محددة بفترة زمنية قصيرة وفي ظل ظرف طارئ يعطل التعيين القانوني في ذلك المنصب، وذلك منعاً لتحول التكليفات لحيلة يتم بها رفض الخضوع للجهة القانونية المسؤولة عن التعيين، وأن لا تتم التكليفات خارج الشروط القانونية التي تشترطها القوانين للتعيينات حتى لا تصبح التكليفات وسيلة للتهرب من المعايير التي تحددها القوانين للتعيين في المناصب والوظائف العامة.

   تاسعاً: رفض أي مقترحات تجعل من شروط الحل القادم اعتماد كل القرارات السابقة التي اتخذتها السلطات المتعددة بغثها وسمينها، وإخضاع الأمر بدلاً عن ذلك لمعايير دستورية وقانونية ووطنية نزيهة، ورفض المطالبات بأي حصانة للفاسدين بحجة أن اتفاقية السلام تجُب ما قبلها من أخطاء، والحرص على تنقية المناهج الدراسية في المدارس والجامعات من أي اختلالات تشوب الوحدة الوطنية والإخاء والمساواة بين أبناء الشعب اليمني، سواء وجدت تلك الاختلالات أثناء فترة الحرب أو قبلها، وكذلك إخضاع جميع المساجد اليمنية لسلطة محايدة تتولى إدارة الشؤون الدينية في البلد بعيدا عن تدخلات جميع الجماعات الدينية والسياسية بمختلف مذاهبها وتكويناتها وبما يضمن احترام التعدد والتنوع.

   عاشراً: امتلاك الدولة اليمنية لكل قراراتها السيادية داخليا وخارجيا، وعدم الاعتراف لأي دولة أخرى بأي مزايا داخل الوطن اليمني تتعارض مع ما هو متعارف عليه عالميا من ضوابط للعلاقات بين الدول، كائنا من تكون تلك الدولة، بما في ذلك أي تواجد عسكري أو استئجار لأي أرض يمنية أو الهيمنة على المقدرات التنموية والاستثمارية في هذه المحافظة أو تلك المنشأة، أو بما يمنع انطلاق القدرات التنموية للدولة اليمنية ويعطل استثماراتها الوطنية، بحيث تتم المعاملات بين الدولة اليمنية والدول الأخرى معاملة الند للند، وتنطلق القرارات الخارجية لليمن من المصلحة الوطنية لشعبها وليس من مصالح دول أخرى.

   أخيراً: هذه نقاط سريعة تم إيرادها بشكل مختصر، وقد يكون غير مرتب ومتسلسل وأحيانا ربما متداخل بسبب الرغبة في الاختصار، وتشمل أهم القضايا التي نرى أنه يتوجب على أي اتفاقية سلام قادمة أن تضعها في الحسبان، ذلك طبعاً إن أردنا العمل الحقيقي لسلام دائم وشامل، ولا شك أن هناك قضايا أخرى كثيرة ستتبادر إلى أذهان الجميع وتصب في هذا الإطار، بحيث تتكامل جهود الجميع من أجل أن نعيد للوطن اليمني الأمن والسلام ومجده التاريخي الذي كان، مع العلم أن اليمن ليست دولة فقيرة ولا تنقصها الموارد وليست بحاجة للتذلل لأحد من أجل الحصول على فتات المساعدات، لكن فقط تنقصها إدارة وطنية عادلة ومخلصة ونزيهة وقصور في استثمار كل مواردها المتاحة.

التغيير برس