التغيير برس

صحاري الفجيعة !

عزالدين سعيد الاصبحي

 

تؤلمني دوما كلمة أسمعها من شاب /شابة يقول فيها أنه ضاق بالوطن والوطن ضاق به !
وأن كل حلمه في الحياة هو الرحيل بعيدا عن الوطن !

ألم لا يمكن التعبير عنه وأنت تجد
الشباب يضعون في أول سلم أمنياتهم ( الهجرة واللجؤ) وهي خسارة مزدوجة لأوطان منهكة صرفت دم قلبها على فلذات الأكباد لتصير نهبا لصحاري الموت وشطئان الفجيعة.

ومن المحزن أن تتصدر منطقتنا خلال الثلاثين عاما الماضية مع أفريقيا قوائم الباحثين عن ملجأ
وتزداد حدة مع تداعيات الأزمات السياسية والاقتصادية التي جعلت بلداننا تنافس بجدارة في أولويات قوائم البلدان المنهارة لتتفاقم ظاهرة الهجرات غير الشرعية والهروب من الأوطان حتى وصم العربي للأسف في بلدان أوربا وأمريكا وعبر تكريس وسائل دعاية مخيفة بصورتين لا ثالث لهما، إما الإرهابي الحاقد على الكوكب أو الهارب المخالف للقوانين.

إنها صورة مؤلمة وظالمة عن هذا الإنسان العربي الشهم الذي جُبل على الكرم وعزة النفس قبل أن تحاصره انهيارات دولة وصراع أحزاب جعلته هاربا مُهانا بهذا الشكل.

اخبار التغيير برس

وطبقاً لإحصائيات المنظمة الدولية ، فإن عدد المهاجرين في العالم اليوم يبلغ أكثر من مليار شخص، منهم نحو 740 مليون شخص يعتبرون مهاجرين داخل أوطانهم، أي نزوح داخلي من منطقة إلى أخرى داخل البلد الواحد، بينما بلغ عدد الأشخاص الذين يعيشون خارج بلدانهم الأصلية 281 مليون شخص في عام 2020. وبين عامي 2000- 2020، تضاعف عدد الذين فرّوا من النزاعات أو الأزمات أو الاضطهاد أو العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان من 17 إلى 34 مليونا.

ويرى الخبراء أن ذلك يعطي مؤشرات حول الأسباب التي تدفع بالبشر إلى الهجرة في وقتنا الحاضر، وأن الهجرة غير الشرعية لا تشكل سوى طرف الجبل الجليدي المرئي لظاهرة الهجرة.
ولكن تبقى الأسباب واضحة في فشل الدول وحروبها وتسيد الفشل مع تنامي التدخلات الخارجية التي تريد خاصة هذه المنطقة أن تكون غارقة بالجهل والحروب التي لا تنتهي.

لقد فشلت الأنظمة خلال أربعة عقود في وضع برامج تنموية تنهض بالشعوب رغم امتلاكها لمقدرات النجاح وأولها العنصر البشري.
وانهارت الدول لأنها لم تحصن نفسها بأسس ومبادئ الدولة التي تحترم كرامة الإنسان بكل بساطة، ومع كل انهيار برز أصحاب الرؤى الضيقة الذين جعلوا الأرض بما رحبت تضيق بشبابها.

إن العالم يتقاسم معنا هذه المأساة التي شارك في صنعها بشكل أو بآخر وشرح ذلك يطول، ولكننا من يتحمل الوزر الأكبر والهم الأساسي في إعادة الإعتبار للأوطان .
الأمر بحاجة إلى إعادة الإعتبار للمشروع الوطني لكل بلد وإيقاظ الحلم في الخروج من هذه الأزمة ووقف الكوارث والذي لا يكون في الهروب المُذل عبر صحاري الموت بل في الوقوف بشجاعة خلف حلم بناء أوطاننا المنهارة .
تلك مهمة نخبة يجب أن تواجه خطاب اليأس المدمر ودور مؤسسات تُحيي خطاب الحرية وتبني آليات حمايتها .
إني أدرك حجم الكارثة وصعوبة الموقف لأني أعيشه كل يوم وأنا قد عشت في بلدان رأيتها تنهار أمامي خلال ربع قرن فقط وكأنها فيلم كابوسي لا يريد أن يتوقف
فقد قدر لي أن أكون في هذه المنطقة الملتهبة من اليمن إلى بغداد وبيروت وشمال إفريقيا ورأيت تجمعات الشتات في الجانب الآخر من العالم الذي يضيق ذرعا بنا.
وأدرك مدى فداحة الكارثة التي تحتاج من نخبة هذه الأمة وشباب هذه الأوطان وقفة مواجهة لا استدارة هروب في مراكب القهر وبحار الفجيعة.
ويقهرني أن أسمع صوت شاب مثل ما تقوله غاده السمان بواحدة من تجلياتها
( ﺃﻧﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﻛﻨﺖ ﺃﺑﻜﻲ ﺷﻮﻗﺎ ﻟﻠﺮﺣﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻨﻔﻰ ﻭﻫﺎ ﺃﻧﺎ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺃﺑﻜﻲ ﻷ‌ﻧﻨﻲ ﺣﻘﻘﺖ ﺃﺣﻼ‌ﻣﻲ ..).

* صحيفة الأهرام عدد اليوم الاثنين 5 يوليو 2021

التغيير برس