التغيير برس

تسييد الجهل

 

عزالدين سعيد الاصبحي

 

وجدت في لوائح القانون ذات مرة أمرا عجبا حيث تقضي اللائحة أن الترقيات في الوظيفة تكون بحكم الزمن فالأقدم يصير بفئة أعلى وعندما يتحصل هذا على شهادة عليا مثل الماجستير والدكتوراه يعاد تنسيبه حسب الشهادة ولا تحتسب له السنوات الماضية فيجد نفسه بمرتبة أخرى ولكن أقل عائدا ماليا.

لهذا كان الموظف ( أظنه ولا يزال ) يخفي على الإدارة خبر حصوله على شهادات عليا ليبقى راتبه أحسن. وهنا تجد المفارقة المضحكة الباكية وهي أن يسارع الوشاة في المؤسسة بإبلاغ الإدارة أن فلان صار معه ماجستير وعليه ترتيب وضعه فيسارع هذا إلى نفي الأمر الذي صار تهمة. ونراه ملاحقا بالنظرات كمن فعل شيئا معيبا وينعتونه وأمثاله بكلمة ساخرة هي أنهم ( بتوع الماجستير والدكتوراه ) الهاربين من تنفيذ اللائحة! .

اخبار التغيير برس

وكنت قد كتبت ذات مرة وأنا موظف في المؤسسة العامة عن ذلك على أساس أنها مرحلة ( تسييد الجهل ) . حيث كان هناك توجه ولا زال يعمل على تدمير المؤسسات وبناء الدولة، ستجده في مختلف دول المنطقة بصور متفاوتة لكن خلاصته ( الخشية من كل صاحب فكرة وقدرة ) والإبقاء على الغباء القادر على التسلق والنفاق. حتى وجدنا هذا الحضيض الذي يحيط بالأمة كلها.

ورأينا قناعة تسري لدى معظم الناس أن من كان قليل العقل معدوم الثقافة هو الفائز بالراحة والوجاهة، أما إذا أضيف إلى الجهل انعدام الضمير فإنه يسود ويدوس طريق من الحق وتنهار معه القيم، كما نرى في مواقع كثيرة حدث فيها تسييد للجهل! أي جعله سيد المشهد السياسي والإداري والعلمي. وقديما مجد العرب الجهل منذ القدم وجعلوا كل صاحب عقل وضمير وكأنه في جحيم بل وصاحب خيار سيء، ألم يقل شاعر العرب أبو الطيب المتنبي بيته الذي صار حكمة على كل لسان : (ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ) ورأينا الناس تمجد الجهالة لتنعم في شقاء الأوطان، حيث وقد قال البحتري قبل أبي الطيب بقرابة قرن أيضا : (أَرَى الحلْمَ بُؤْسًا فِي المَعِيشَةِ لِلْفَتَى وَلَا عَيْشَ إلَّا مَا حَبَاكَ بِهِ الْجَهْلُ) وأن يلتقي البحتري والمتنبي بهذه الشكوى فهو أمر عظيم فالبحتري هو أحد الثلاثة الذين كانوا أشهر أبناء عصرهم، المتنبي وأبو تمام والبحتري، قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر؟ فقال: ( المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري) وهنا نحن نرى تطابق الحكمة والشعر على نفس الشكوى وتمجيد الجهل !

وإن أردنا الغوص في اسشهادات شعرية سنجد الكثير حيث بقي الشعراء والمفكرين دوما الفئة المقهورة ولكن الأكثر قدرة على الشكوى من ظلم زمانهم. وهذا أبو نصر بن نباتة يقول عن العيش الأمثل أنه : (مَنْ لِي بِعَيْشِ الأغبياء فإنَّهُ لَا عَيْشَ إلَّا عَيْشُ مَنْ لَمْ يَعْلَمِ) و ابن المعتز جاء ليؤكد أن حلاوة الدنيا لجاهلها : ( وَحَلَاوَةُ الدُّنْيَا لِجَاهِلِهَا وَمَرَارَةُ الدُّنْيَا لِمَنْ عَقَلَا) ولن أزيد في إحباط القاريء العزيز لكن حتى الشيخ ابن ميكال وهو من خرسان التي عادت لتذكرنا بهول ما يجري هاهو يقول : (وَأَخُو الدِّرَايَةِ وَالنَّبَاهَةِ مُتْعَبٌ والعيْشُ عَيْشُ الْجَاهِلِ الْمَجْهُولِ) * وإنها لعمري شكوى ( المثقف) الذي أوكل الأمر إلى غير أهله وسكت عن الحق حتى ضاعت المجتمعات وساد الجهل .

الأمر يفتح بابا لنقاش جاد أساسه إعادة الاعتبار للعقل والعلم لنخرج من أزمة الجهل وتفشي الغباء. ونتخلص من هجاء المتنبي الغاضب على أمته : ( يا أمة ضحكت من جهلها الأمم )

التغيير برس