التغيير برس

درس الذهول الأفغانى

عزالدين سعيد الأصبحى

 

جملة واحدة أجمع عليها مختلف المعلقين الدوليين أثناء متابعة سقوط كابول فى أيدى طالبان، وهى أن الجميع أصيب( بالذهول ) حتى الرئيس بايدن ومخابراته ( قالوا إن المشهد أصابهم بالذهول). المشهد الإقليمى والدولى شديد المأساوية وكل العروض هى تراجيدية سيئة الإخراج معدومة الحبكة الدرامية. أمريكا بعد عشرين عاما تعلن هزيمتها باختصار ، وتقول إنها جاءت إلى أفغانستان لا لتبنى دولة ولكن لتقضى على جماعة إرهابية تهدد السلام، وإنه بعد عشرين عاما تم ترويض الحركة!. لا أكثر. والباقى هى مسئولية الافغان الذين سيتجرعون آلاما قادمة بعد خذلان الجميع وتزايد الأطماع الإقليمية والدولية ، وضعف الحكومة التى قابلت الخذلان الدولى لها بخذلان مقابل منها كان أشد وقعا على صاحب البيت الأبيض وجعله فى دائرة من الاستهداف اليومى لخصومه وأنصاره على حد سواء. حيث كان يراد تسليم السلطة بلقاءات فيها بهرجة مسئولى العلاقات العامة لا دخول أصحاب العمائم المذل للترسانة الأمريكية لكن الرئيس الأفغانى أشرف غنى الذى قضى معظم عمره فى الجامعات والمدن الأمريكية طالبا وباحثا وخبيرا فى هيكلة الدول الفاشلة. لم يكن قادرا على إعطاء بايدن هذا المعروف وقرر أن يرحل فجأة تاركا خيبة الأمل تصيب الجميع، من إدارة ضعيفة وجيش بدون مؤسسة وقيادة وعقيدة. فالجيش الأفغانى الذى ترك المعركة لم يكن يقاتل على مبدأ واضح من الانتماء لمؤسسة وطنية ومشروع جامع للأمة، بل كان نتاج موظفى علاقات عامة وخبراء يجيدون وضع الخطط وإخراج صور الحفلات لا بناء الدول. ومع كل ما تم علينا بالعبرة فالدرس القادم من أفغانستان على مستوى المنطقة العربية والإسلامية، هو أن بناء الوطن وصنع السلام الداخلى يضعه أبناء البلد، وأنه بدون وجود رؤية وطنية لأى بلد وانتماء حقيقى ستبقى القوى المتحاربة أذرعا للتصفيات الخارجية لا أكثر.

اخبار التغيير برس

كان الجيش الضخم بدون مرتبات، وكانت التدخلات الخارجية فى قمة التحكم بالبلد. ولاوجود لمشروع وطنى جامع، فجاءت النتيجة واضحة بأن أى قوى إيديولوجية منظمة ستختطف المشهد. وهنا كان إعادة صنع طالبان مرة أخرى ( نعم إعادة صنع )، والتفاهم المعلن هو ضمان عدم وجود قوى مهددة للمصالح الأمريكية أولا والغربية ثانيا، ما عدا ذلك قابل للنقاش، وطالبان خير من يضمن ذلك و سيعانى الأفغان وحدهم من أى تدهور. فالافغان وحدهم من يشعر بالألم حقيقة، وهم من يعيش المأساة لاسواهم. والمشاهد القادمة من أفغانستان لا تبشر بترويض الحركة التى يراد تسويقها ولكن بتكرار المأساة. ونذر الحرب. وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد فشلت فى طريقة إجلاء جنودها من أفغانستان إلى حد كبير، إلا أن قرار مغادرة القوات الأمريكية لهذا البلد المغلق هو قرار قديم ومحل إجماع أمريكى وافقت عليه كل الإدارات السابقة من أوباماحتى بايدن مرورا بترامب. ومن الواضح وجود صراع الأجنحة فى الدولة العظمى وأن راسمى السياسة فى أمريكا بتعدد أجهزتهم يعانون تخمة المعلومات المتضاربة التى تعوق اتخاذ القرارات الصائبة فى الوقت المناسب. فما يحدث فى أفغانستان أنه بعد عشرين عاما من الاحتلال ووهم التغيير ظهر أن من قاتل الأمريكان هو جيل كامل كان فى ذلك الوقت بالمهد أو لم يولد حتى، في2001 يوم قرر الرئيس جورج بوش بلحظة تدمير البلد المحطم أصلا وإرسال القوات إلى أفغانستان، وفعليا فقد قتل معظم جيل الملا عمر قائد طالبان المؤسس الذى مات دون أن تنشر له صورة واحدة واضحة، ولكن بقيت الفكرة التى لم تحل محلها فكرة مشروع جامع، منتم إلى العصر، بل تم الاكتفاء بإدارة رخوة . وجاء جيل يلعب بالهاتف الذكى ويلتقط الصور فى قصر الرئاسة وفى مقر قاعدة القوات الأمريكية. إنها مفارقة تؤكد ضرورة إعادة النظر فى كل الرؤى التى تتحكم بمراكز القرار الغربية تجاه العالم وخاصة الشرق الأوسط، وضرورة مراجعة السياسات ومراكز صنعها، والعمل على التخلى عن قشور المعرفة تجاه مجتمعات شديدة التعقيد. وأن هذه المنطقة الممتدة من آسيا الوسطى وحتى أقصى الشرق الأوسط ستبقى مشكلة، مالم تخرج من دوائر الإقصاء والتحطيم المتعمد. ومهما قيل فمشهد أفغانستان سيدخل المنطقة فى شتاء قاس من سوء العلاقات وانتعاش أمل كل حركات العنف بأوجهها المختلفة. والأخطر هو تكريس مفهوم أن السلام لا يتحقق إلا من قبل المتحكمين بالأرض سواء كانوا دولا أو حركات عنف، وهو شرعنة لكل الجماعات المسلحة, حيث نرى هذا المفهوم يتجسد فعليا بمنطق التعامل مع قوى الأمر الواقع. لذا فإن الصفقة الواضحة فى أفغانستان تقوم على أن تحفظ حركة طالبان الأمن وتلتزم بعدم التعرض للمصالح الأمريكية مقابل هذه المغانم الضخمة من مقدرات الدولة، وتطلق الحركة يدها فى بلد مغلق سيبقى مقبرة مفزعة. وهى صفقة وهم سرعان ما ستظهر خيبتها. مع تنامى مسار عنف واضح، سيبقى مهما قيل عنه ملاذا لكل من أراد أن يتطلع للانتقام من العالم، وأى تطمين بأن التزاما جادا سيتحقق بعدم جعل هذه البلاد الممتدة على أكثر من سبعمائة ألف كيلو متر، ومكتظة بخمسة وثلاثين مليون إنسان مشحون بالغضب، ومحل تجاذب إقليمى حاد ، تطمين من منظرى العواصم البعيدة سيبدو سرابا عما قريب.هذه مجتمعات بحاجة إلى عدم الإقصاء وإنهاء الازدراء القائم نحوها وجعلها جزءا من هذا العصر. نعم سيخرج الأمريكان اليوم ويضمنون عدم التعرض لمصالحهم إلى حين . وسيبقى الرئيس المبعد أشرف غنى فى منفاه يكمل الجزء الثانى من كتابه الشهير المرجع لإصلاح الدول الفاشلة ووحده الشعب الأفغانى من سيعانى ووحده أيضا من يمكنه أن يخرج من الأزمة ويصنع تحولا جديدا.

الاهرام

التغيير برس