التغيير برس

الأستاذ محسن أحمد العيني الراحل، الذي لن ترحل ذكراه معه

 
د. أحمد قايد الصايدي
 
 
هناك أشخاص قلائل يتأثر بهم الآخرون، دون أن يقصدوا التأثير فيهم. ولكن سلوكهم الراقي وصدقهم مع أنفسهم ومع الآخرين وشجاعتهم الأدبية، في التعبير عن آرائهم ومواقفهم، وهدوئهم وتواضعهم وعدم ادعائهم وتعابير الود غير المتكلف على وجوهم، وكلماتهم الواضحة الدقيقة ودفء أصواتهم المشبعة باللطف، رغم ما تنطوي عليه من حزم، كل هذا وغيره يؤدي إلى تأثر الآخرين بهم، تلقائياً ودون قصد أو تعمد. والأستاذ محسن أحمد العيني واحد من هؤلاء. وفي نظر تلميذ من تلاميذه في المرحلة المتوسطة (الإعدادية)، هو المثال لهؤلاء، والآخرون تجليات له.  
 
بعث لي صديقي أستاذ العلوم السياسية، الأستاذ الدكتور قيس محمد نوري، من القطر العراقي، بعث لي حلقات المقابلة، التي أجراها الإعلامي في قناة الجزيرة، أحمد منصور، مع الأستاذ محسن، مبدياً إعجابه بشخصية هذا السياسي اليمني المتميز، الذي لم يعرفه، معرفة شخصية. ولما أخبرته أن العيني كان أستاذي في المرحلة المتوسطة، طلب مني أن أنقل إليه تحياته وإعجابه، مؤكداً بأن كل رؤساء الوزارات، الذين عرفتهم البلاد العربية، لا يمكن أن يقاسوا برئيس وزراء اليمن، محسن العيني. فلبيت طلبه وبعثت إلى الأستاذ محسن، في تاريخ 30 مارس 2021 عبر الواتساب العبارات التالية: &السلام عليكم. استمع إلى المقابلة صديقي الأستاذ الدكتور قيس نوري، من القطر العراقي، أستاذ العلوم السياسية وأمين عام بيت الحكمة سابقاً، وأعجب كثيراً بشخصك العزيز. ولما أخبرته بأنك أستاذي في المرحلة المتوسطة، طلب مني أن أوصل إليك تحياته ومحبته&.
 
فأجاب الأستاذ محسن على رسالتي بالعبارات التالية: &شكرا كثيراً لكما من أعماق القلب. له ولك أفضل التحايا والتمنيات. وحفظكم الله والأسرة الكريمة جميعاً&. 
 
وفي 21 سبتمبر 2020، أبلغته في رسالة قصيرة بوفاة أعز زملائي إلى قلبي الأستاذ عبده علي عثمان، الذي يعرفه حق المعرفة. فرد علي بالعبارات التالية: &رحم الله الأستاذ عبده علي عثمان الحكيمي، الوزير السابق والأكاديمي اللامع والوطني النبيل والإنسان الودود وعالم الاجتماع الرائد. وعزاؤنا ومواساتنا للأسرة الكريمة ولأصدقائه وزملائه. ولله ما أعطى  ولله ما أخذ. وإنا لله وإنا إليه راجعون&. 
 
وقد اعتدت أن أبعث إليه عبر الوتساب كل ما يصدر عن جماعة نداء السلام. وعلى إثر استلامه الرسالة، التي وجهتها الجماعة في تاريخ 20 نوفمبر 2020م، إلى مجموعة العشرين، المجتمعة في المملكة العربية السعودية، تطلب منها بذل مساعيها وجهودها لإنهاء الحرب في اليمن، وصلتني منه العبارات التالية: &سلمت يداك. لك التحية والتقدير والإعجاب&. فأجبته بالعبارات التالية: &سلمكم الله وعافاكم. لست وحدي من يقوم بهذه المبادرات. نحن مجموعة من الشيوبة المتقاعدين، المدنيين والعسكريين. متعكم الله بالصحة والعافية&. فرد علي: & سلمتم جميعاً وحفظكم الله من كل مكروه&. 
 
وكتب لي مرة بأنه سيتصل بي تلفونياً. وما هي إلا دقائق حتى رن التلفون، فإذا بي أسمع صوته، الذي لم أسمعه منذ سنوات طويلة، باستثناء سماعي له مؤخراً من خلال تسجيلات المقابلة التي أجريت معه في قناة الجزيرة. خلت وأنا أنصت إلى كلماته، وكأني ما أزال في مقعد الدراسة في المرحلة المتوسطة في مدينة عدن، وهو ما يزال أستاذنا ومربي صفنا، يتحدث إلينا بصوته الهادئ وكلماته الدقيقة وعباراته المتزنة ووجهه البشوش. كان مما قاله لي عبر التلفون: على اليمنيين أن يدركوا بأن لا أحد غيرهم سيهتم اهتماماً جدياً بمأساتهم. عليهم أن يتفاهموا ويتصالحوا ويحلوا مشاكلهم فيما بينهم، ويتفقوا على إيقاف الحرب  ويتجهوا جميعهم إلى بناء دولتهم معاً. فأكدت له، بأن هذا هو ما نعمل من أجله في جماعة نداء السلام. وبياناتنا ونداءاتنا وكتاباتنا واتصالاتنا كلها تصب في هذا الاتجاه.
 
عرفت الأستاذ محسن العيني في مستعمرة عدن، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، عندما جاء من القاهرة للعمل مدرساً في المعهد العلمي الإسلامي، المواجه لقلعة صيرة الشامخة، التي قاوم اليمنيون من مرابضها قوات الاحتلال البريطاني، القادمة من مستعمرتهم في الهند، في عام 1839م، والمطل على مرفأ صيرة، ميناء عدن القديم. كان الأستاذ محسن حينها قد تخرج من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، التي واصل دراسته فيها، بعد أن أوقفت الحكومة اليمنية منحته الدراسية في باريس، بسبب مواقفه المعارضة لسياساتها.  
 
وتولى خلال عمله في المعهد، تدريسنا مادة اللغة الإنجليزية، ثم مادة التاريخ. واختير ليكون مربي صفنا الدراسي. حينها كنت مسؤولاً عن الجمعية الأدبية وعن برنامج الإذاعة المدرسية الصباحي، الذي كان يتضمن تلاوة آيات من الذكر الحكيم، كان يتلوها أيوب طارش العبسي، بصوته الرخيم، مقلداً المقرئ المصري، أبو العينين الشعيشع، وأحيانا يتلوها زميله علي العولقي، مقلداً المقرئ المصري الآخر، عبد الباسط عبد الصمد. ثم بعد ذلك يقوم أحد الزملاء بقراءة نشرة الأخبار. وبعد نشرة الأخبار يأتي دوري في إلقاء كلمة صباحية، تتناسب مع حماس الشباب، ومع المناخ الوطني العام، السائد في تلك الأيام. ثم أتوجه إلى قاعة الدرس، فيستقبلني مربي الصف، الأستاذ محسن العيني، بابتسامة ساحرة، وبإيماءة مشجعة من رأسه، أعرف من خلالها أنه ارتاح للكلمة الحماسية، التي كان موضوعها غالباً، هموم الوطن ومستقبله والواجب الملقى على عواتقنا نحن التلاميذ، نحوه ونحو شعبنا اليمني.
 
كان الأستاذ محسن، كما حدثني في منزله بصنعاء، قد انضم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، أثناء لقاء جمعه في القاهرة مع الأستاذ أحمد محمد نعمان والقاضي محمد محمود الزبيري، وقائدي حزب البعث، الأستاذين ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وأصبح ناشطاً في صفوفه، قبل أن يجبره عمله الرسمي، بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، على قطع علاقته التنظيمية به. ونظراً لكونه كان عضوا في الحزب، فقد اهتمت بمجيئه إلى عدن قيادة المؤتمر العمالي، التي كان معظم أعضائها في ذلك الحين من قيادات وأعضاء وأنصار حزب البعث في اليمن. فانخرط في العمل النقابي، من خلال نقابة المعلمين، ومارس تأثيراً كبيراً، سواءً في المؤتمر العمالي، أو في إطار الفعاليات السياسية النشطة في مستعمرة عدن. فاعتبرته السلطات البريطانية شخصاً غير مرغوب به، وقررت نفيه إلى الخارج. وكانت وجهته مصر، بطبيعة الحال، مركز الفعل السياسي والثقافي العربي. وهناك تولى رئاسة مكتب المؤتمر العمالي في القاهرة، مع تمثيل المؤتمر في مصر وفي البلاد العربية الأخرى. وبقينا نحن تلاميذه نتتبع أخباره، من خلال أصدقائه، ومن خلال كتاباته في صحيفة الأيام، التي ربطته بصاحبها، الأستاذ محمد علي باشراحيل، علاقة صداقة، استمرت بعد نفيه.
 
في ذلك الزمان عندما التحق الأستاذ محسن العيني في عمله التدريسي بالمعهد العلمي الإسلامي، كان وجود شخص متخرج من الجامعة أمراً نادراً جداً، ليس في المعهد فحسب، بل في عموم اليمن، شمالاً وجنوباً. ولأن الأستاذ محسن كان الجامعي الوحيد في المعهد، قبل أن يلتحق به المهندس الزراعي علي محمد عبده (وزير الزراعة في حكومة الثورة السبتمبرية فيما بعد)، فقد كان الشيخ محمد سالم البيحاني، إمام مسجد العسقلاني ومؤسس المعهد العلمي الإسلامي، كان عندما يأتي زوار إلى المعهد، يقدم لهم الأستاذ محسن متفاخراً، بقوله: هذا الأستاذ محسن العيني، خريج السربون وجامعة القاهرة.
 
لن استرسل في الحديث عن أستاذي محسن، وفي إيراد لقطات أخرى من مراسلاتنا، التي بدأت عبر الوتساب، منذ عامين تقريباً، بعد انقطاع طويل، ثم لم تتوقف إلا عندما فتك به المرض، ونُقل إلى المستشفى، وبقي فيه حتى أسلم روحه الطاهرة إلى بارئها. فالحروف عندما تُكتب بدموع القلب، تنهك كاتبها، وأعرف أن سيرة حياته ستُكتب مراراً. وبدلاً عن ذلك سوف أنقل فقرتين من كتابي (من القرية إلى عدن، جسر بين عصرين، ص 159 وما بعدها)، قد تعطيا لمحة عن الشخصية البسيطة والعظيمة، في الوقت نفسه، لهذا الأستاذ الكبير، الذي تأثر به تلاميذه، ثم تتلمذ في مدرسته الوطنية كثير من زملائه السياسيين والقادة الوطنيين. وقد ترسما صورة عن علاقته الحميمة بتلاميذه، الذين بلغ بعضهم فيما بعد، أعلى المستويات في قيادات الحركة السياسية اليمنية، وفي قيادات الدولتين، في شمال الوطن وفي جنوبه:
 
& ومن أكثر الأحداث، التي مرت بنا في المعهد (المعهد العلمي الإسلامي)، تأثيراً في نفوسنا، نفي السلطات البريطانية لأستاذنا محسن أحمد العيني، الذي كان مربي صفنا ومدرس مادة التاريخ. فقد استغربنا مروره ذات يوم على الطلاب، طالباً طالباً، بعد أن ألقى درسه، ليضع توقيعه، على غير عادته، على دفتر كل طالب، في نهاية الدرس الذي أملاه علينا للتو، مع تدوين تاريخ ذلك اليوم، وإذا لم تخني الذاكرة، فقد كان تاريخ 19 يناير 1961م. وبعد أن أكمل تواقيعه، جلس على كرسيه وشبك أصابع كفيه، ثم بدأ يتحدث معنا حديثاً مؤثراً. ما يزال بعضه في ذاكرتي حتى اليوم: فقد تحدث بصوت لا يخلو من الحزن، عن قرار الإدارة البريطانية إخراجه من عدن، باعتباره شخصاً غير مرغوب به، وأن الدرس الذي ألقاه ذلك اليوم، هو آخر درس يلقيه علينا، وأنه ليس مكترثاً بالقرار البريطاني ولا يهمه أن يعيش في عدن أو في أي بلد عربي، فالبلاد العربية كلها وطنه، ولكنه حزين لأنه سيفارق طلاباً أصبحوا له أصدقاء. وما أن أكمل عبارته الأخيرة، حتى أجهش الجميع بالبكاء. وغادر الأستاذ العيني الصف متأثراً. وغادرنا نحن أيضاً، فقد كان ذلك هو آخر درس في يومنا الدراسي&. 
 
& في اليوم التالي اصطف الطلاب في طابور الصباح، ووقف مدير المدرسة، الأستاذ الأردني (ناظم البيطار)، في مواجهة الطابور، وكالعادة أمر الطلاب أن ينشدوا نشيد الصباح. وبدون سابق اتفاق، وبتلقائية عجيبة، لم ينبس أي طالب بكلمة، وخيم الصمت وسط ذهول المدير والأساتذة. كرر المدير أمره، واستمر الطلاب في صمتهم، ولما طال الصمت والذهول، رفع أحد الطلاب صوته باستنكار حزين: إحنا زعلانين، كيف تشتينا (تريدنا) ننشد؟. أيقن المدير أن لا فائدة من إعطاء أمره للمرة الثالثة، فغير لهجته الآمرة، وبدأ يتحدث بلطف غير مألوف، فقد كانت شخصيته عنيفة، وكان الود معدوماً بينه وبين الطلاب. تحدث المدير باللهجة اللطيفة، التي فاجأنا بها، معبراً عن حزنه هو أيضاً لنفي الأستاذ العيني، ولكن الرد الصحيح على ذلك الإجراء، هو أن نضاعف من جهودنا في التحصيل الدراسي وأن لا نترك ذلك الحدث يؤثر فينا، وليكن حافزاً لنا لمزيد من الجهد، ولنرفع أصواتنا بالأناشيد الوطنية. فهذا هو الموقف السليم تجاه ما حدث. وبعد أن أنهى حديثه أمرنا بالدخول إلى صفوفنا. وبعد أن انتهى يومنا الدراسي، توجهنا في مظاهرة طلابية، لم يعرف معظمنا من كان وراء تنظيمها، تتقدمها لافتة، يستنكر فيها طلاب المعهد نفي أستاذهم محسن العيني. ووجدت نفسي، دون سابق ترتيب وبجانبي زميلي فضل النقيب، نرفع اللافتة، كل منا في طرف منها، وزميل ثالث، هو أحمد سعيد المريسي، أمامنا، يصور موكبنا من زوايا مختلفة. فقد كانت له اهتمامات صحفية، وكان يكتب بعض المقالات القصيرة، ويذيلها باسم مستعار، هو كما أتذكر (أمية). تحركنا من باب المعهد، باتجاه حي البنوك ثم انعطفنا باتجاه السوق المركزي (الزريبة) الواقع بين شارع الزعفران والسوق الطويل، ثم انحرفنا نحو اليمين وسرنا في السوق الطويل حتى نهايته. وعندما وصلنا إلى الساحة الواقعة أمام مقهاية زكو، حيث كان مقرراً أن تنتهي المظاهرة، فاجأتنا سيارات الشرطة، قادمة من جهة اليسار، من شارع يوصل حافة حسين بتلك الساحة. ترجل رجال الشرطة من سياراتهم واتجهوا إلى اللافتة فانتزعوها من أيدينا وأخذوا اسم فضل واسمي. ثم فرقونا دون أن نبدي أية مقاومة، فالمظاهرة كانت قد وصلت إلى نقطة النهاية، المحددة مسبقاً&.
 
وأخيراً، مهما قلت، فلن أفي هذا المعلم القدوة والمناضل الوطني الكبير شيئاً من حقه. وإني على يقين، بأن الحديث عنه لن يقتصر على تلاميذه وأصدقائه وأهله، بل سيُكتب عنه الكثير، من قبل أناس عرفوه وأناس لم يعرفوه، وسيسرد الكثيرون من الباحثين والمؤرخين تفاصيل حياته ومسيرة نضاله ودوره في صنع الأحداث المعاصرة في وطنه اليمن، الذي أحبه وأخلص له وتفانى في خدمته، منذ بدايات وعيه السياسي، وحتى آخر رمق في حياته. وأكتفي هنا بأن أقول كما قال هو، عندما أبلغته بوفاة رفيقه عبده علي عثمان: لله ما أعطى ولله ما أخذ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
 
وداعاً أستاذي محسن ... وداعاً أيها المربي الفاضل والرمز الوطني الكبير. وعزاءً لزوجتك وولديك وابنتك، ولكافة أفراد أسرتك، ولأصدقائك ومحبيك وشعبك، وعزاءً لليمن الذي أحببته وأخلصت له وكرست حياتك من أجله. 
 
صنعاء، 29 أغسطس 2021م

اخبار التغيير برس

التغيير برس