التغيير برس

الدكتور أحمد صالح الصياد ..نموذج لإنساننا اليمني

د. أحمد قايد الصايدي
 
 
يتوالى رحيل الأعلام اليمنيين، واحداً بعد آخر. وكأنما تهيأ جيل بكامله ليغادرنا مثقلاً بهموم الحرب والكوارث المتلاحقة، التي حلت بوطنه وبشعبه، بعدما أمضى عمره في العمل من أجل خير اليمن واستقراره ونهضته ومستقبله الواعد. فإذا بأحلام هذا الجيل تُغتال، وإذا بطموحاته تتضاءل، من تحقيق نهضة يمنية شاملة، تُلحق اليمن بحضارة العصر، إلى إيقاف الحرب المدمرة لبلده، وتوفير الحد الأدنى من الأمن والأمان والاستقرار والسلام ولقمة العيش الكريمة لشعبه.  
 
الدكتور أحمد صالح الصياد علم من أعلامنا الوطنية والثقافية والدبلوماسية، رحل عنا وهو غريب عن وطنه، وسط شعب غير شعبه، واحتضن جثمانه الطاهر تراب غير ترابه. ولئن كان هذا قدراً مؤلماً، طال كثيرين من اليمنيين عبر التاريخ، فقد غدا اليوم قدراً مألوفاً، في الحالة التي نعيشها. فالوطن اليمني أصبح أوطاناً ومناطق ومذاهب وسلالات وأعراق متفرقة، تتنافس وتتصارع وتستحضر الخصومات المغرقة في القدم، استحضاراً يعمق انقسامها وتشرذمها، وكأنما حلت عليها لعنة التاريخ، فتفرقت أيدي سبأ، وأضحت تتنازع وطناً يكاد أن يصبح لغيرها، وسلطة لم تعد تتحكم بها. 
 
لقد رحل عنا الصياد في أحلك مرحلة مر بها اليمن عبر تاريخه الطويل. وكأن القدر شاء أن يرحل وصور الكارثة، التي حاقت بوطنه، آخر ما ارتسم أمامه، بعد عمر حافل بالنضال الوطني، وبالعمل المتميز المثمر، الذي كان الحلم بمستقبل أفضل لبلده ولشعبه من أهم محفزاته. فإذا بالحلم يتحطم على صخور الأطماع الخارجية والأوهام الداخلية.
 
ورغم هذه اللوحة المحبطة للواقع الراهن، فإن المستقبل ستصوغه أجيال جديدة، تسير على خطى نماذج ملهمة، من الجيل الذي سبقها، من أمثال الدكتور أحمد الصياد. ففيه وفي أمثاله تجلى جوهر الشعب اليمني وتجسدت قيمه. وهؤلاء ليسوا استثناءً، بل هم نماذج لإنساننا اليمني، هيأتهم أقدارهم لأن يبرزوا كعلامات مضيئة، تدل على طبيعة شعبهم وعلى مخزونه الحضاري وقدرات أبنائه، التي تظهر دائماً عندما تتوفر لها شروط الظهور.
 
يتساءل كثيرون: لماذا يبرز اليمني خارج وطنه ويتميز عن غيره، بأخلاقه واستقامته وجده واجتهاده وإبداعه، ولا يتحقق له هذا البروز والتميز داخل وطنه؟ سؤال يمكن أن يجيب عنه كل شخص بطريقته. ولكن مجرد طرح هذا السؤال، ومحاولة الإجابة عنه، يؤكد حقيقة التميز، ويوجه الأذهان إلى طبيعة الشعب اليمني وقدراته، التي لو توفرت لها أسباب البروز وشروط الإبداع في وطنها لبرزت وأبدعت ونهضت بوطنها إلى مصاف الدول المتقدمة.  
 
لا شك أن هناك خللا في البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي يعيش فيها اليمنيون داخل وطنهم. وهذا الخلل هو الذي يحول دون تفتح القدرات والطاقات المبدعة. ولعل النظام السياسي هو العامل الأبرز، الكابح لقدرات الإنسان اليمني. وعندما يتحرر هذا الإنسان قليلاً من كابوس النظام السياسي، ويعيش في بلاد الآخرين، في ظل نظم سياسية أقل قمعاً للحريات وأقل كبتاً للطاقات المبدعة، ينطلق ويتميز عن سواه، ويصبح نموذجاً يجسد جوهر اليمنيين وقيمهم، التي تدفن في وطنهم، ولا يشعر بوجودها أحد. ويكفي تأكيداً لهذه الحقيقة، أن نستشهد بشخصيات يمنية عديدة، يأتي في مقدمتها فقيدنا الصياد.  
 
بعد حصول الدكتور أحمد على شهادة الدكتوراه من فرنسا، عاد إلى وطنه، مؤهلاً للالتحاق بسلك التدريس الجامعي. وتقدم للعمل في جامعة صنعاء، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. ولكن أبواب الجامعة صُدت في وجهه. فتاريخه الوطني وقف عقبة أمام تحقيق حلمه في أن يصبح أستاذاً جامعياً في وطنه. وشهادة (حسن السيرة والسلوك) سيئة الذكر، تقف حجر عثرة أمام أمثاله، وتسد أبواب الجامعة في وجوههم. 
 
في ذلك الزمان لم يكن يُسمح لأي شخص يحمل شهادات عليا بأن يلتحق بالعمل في الجامعة الوحيدة في شمال اليمن (جامعة صنعاء)، قبل أن يحصل من جهاز الأمن على شهادة حسن السيرة والسلوك، أي قبل أن يقضي شهوراً، متردداً على ذلك الجهاز، الذي يفتش في ثنايا وتفاصيل حياة الشخص الماضية، ليتأكد من أنه لم يمارس نشاطاً سياسياً وطنياً في يوم من الأيام. وعلى ضوء ما يتوصل إليه الجهاز، يقرر هو وحده، إن كان هذا الشخص مواطناً صالحاً بالمقاييس الأمنية، أي بريئاً من شبهة العمل الوطني، فيستحق أن يوظف في الجامعة، أم ليس بريئاً، وبالتالي لا يستحق العمل فيها. 
 
ومع أن الدكتور أحمد كان شخصية معروفة، بحكم نشاطه السياسي وعمله السابق، ضابطاً في جهاز الشرطة، قبل أن يحال مع أمثاله من ضباط الشرطة والقوات المسلحة، المشتبه بانتمائهم إلى الحركة الوطنية، قبل أن يحال إلى ما عرف ب (قسم الفائض)، وهي التسمية المهذبة للتسريح التعسفي، الذي اتخذ بحقهم، رغم ذلك فقد كان عليه أن يهدر أشهراً عديدة، لاستكمال الوثائق اللازمة لتعيينه في الجامعة، وأهمها، قبل المؤهلات العلمية (شهادة حسن السيرة والسلوك).
 
وبعد أن صُدت أبواب الجامعة أمامه، حصل على فرصة للعمل في الخارج، مندوباً دائماً لليمن في منظمة اليونسكو. وكان ذلك التعيين بمثابة إبعاد له عن فكرة الالتحاق بالعمل الجامعي. وفي اليونسكو، في بلاد الآخرين، وفي بيئة عمل مختلفة عن بيئة العمل داخل وطنه، أثبت تميزه، وأهلته قدراته ليصل إلى أعلى المراتب الوظيفية في هذه المنظمة العالمية (مساعد المدير العام للمنظمة، للعلاقات الخارجية والتعاون). 
 
وكاد الصياد، بجهده ومثابرته وكفاءته، أن يتسنم منصب الأمين العام لمنظمة اليونسكو. ولكنه بطبيعته السمحة وحسه الوطني والقومي، فضل أن يسحب ترشيحه، لصالح مرشح عربي آخر، كان يخوض منافسة مع مرشح غير عربي، لعله يضمن بانسحابه فوز المرشح العربي.
 
وقد استطاع الدكتور الصياد من خلال عمله في منظمة اليونسكو، على مدى أربعين عاماً، مساعداً لمديرها العام ورئيساً للدورة السابعة والعشرين لمؤتمرها العام ورئيساً أو عضواً في عدد من اللجان المتخصصة، التابعة للمنظمة، ومشاركاً في العديد من المؤتمرات والندوات العربية والدولية ومساهماً في تأسيس عدد من المؤسسات الثقافية والتربوية العربية وحاصلاً على العديد من الأوسمة والجوائز العربية والعالمية، استطاع أن يسجل لنفسه ولوطنه اليمن مكانة متميزة في تاريخ هذه المنظمة الدولية. فما أن تُذكر منظمة اليونسكو، حتى يُذكر اسم الدكتور أحمد الصياد، علماً من أعلامها، ونموذجاً للإنسان اليمني المبدع. 
 
لقد خلف الدكتور أحمد وراءه، تاريخاً وطنياً ومهنياً مشرفاً له ولأسرته ولليمن واليمنيين. وهذا يفسر ما تركته وفاته من ألم في نفوسنا جميعاً، من عرفه منا معرفة شخصية، ومن عرفه من خلال مآثره وأعماله المتعددة والمتنوعة. فعدا عن تاريخه الوطني وانتمائه المبكر إلى الحركة الوطنية اليمنية، وإنجازاته في مجال عمله بالمنظمة العالمية (اليونسكو)، خلف العديد من الأعمال الأدبية والأبحاث العلمية، كما ترك بصمات واضحة في مجال عمل واهتمامات منظمة اليونسكو، ومن أبرزها حماية المعالم الآثارية والمدن القديمة، وعلى رأسها مدينة صنعاء القديمة، ودعم هيئات الآثار والمؤسسات، ذات المهام الثقافية والتعليمية، في اليمن والوطن العربي، وفي مختلف بلدان العالم الثالث.
 
لقد خسر اليمن وشعبه ابناً باراً من أبنائه ورمزاً من رموزه الوطنية ونموذجاً للإنسان اليمني المبدع. تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه وأصدقاءه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
 
صنعاء، في 28 يوليو 2021م

اخبار التغيير برس

التغيير برس