التغيير برس

دم الشهيد السنباني يعلمنا معنى الحرب ومعنى السلام

 
د. أحمد قايد الصايدي
 
 
للعملية الإجرامية المروعة، التي انتهت بقتل الشاب المغترب عبد الملك السنباني، دلالات كثيرة، لعل من أبرزها، أن الحرب تغذي نوازع الشر وتؤدي إلى انحطاط في القيم وإيغال في التوحش واستهانة بالدماء والأرواح واستباحة لحقوق الآخرين واستهانة بالضوابط الأخلاقية، التي تنظم علاقات البشر، بعضهم ببعض، في الحالة الطبيعية. وإلى جانب ذلك تُفقد الحرب الكثير من النخب توازن العقل وصفاء الرؤية والقدرة على استبصار عواقب استمرار القتل والتدمير والتجويع والحصار والانفلات الأمني والترويج للدعاوى الطائفية والمناطقية والعشائرية، المهددة للسلم الاجتماعي والمدمرة لمستقبل اليمن. ولأن الحرب تحمل في ما تحمل كل هذه الشرور، طالبنا بإيقافها منذ يومها الأول، ولم نراهن على الحسم العسكري، الذي كنا ندرك استحالته، وانحزنا إلى خيار السلام، كمدخل للحوار الجاد بين اليمنيين، المؤدي إلى بناء دولة الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية والتبادل السلمي للسلطة، عبر صناديق الانتخابات.
 
ولعل من أبرز عناوين الحرب والحصار المفروض على المواطن اليمني، إغلاق مطار صنعاء الدولي، الذي ترتب على إغلاقه إجبار المضطرين إلى  السفر، سواءً إلى خارج اليمن، أو العودة إليه، إجبارهم على أن يقطعوا مسافات طويلة، عبر طرقات وعرة وملتوية، لم تكن مطروقة قبل الحرب، توقفهم فيها عشرات النقاط العسكرية وشبه العسكرية، ويتعرضون لشتى أنواع المعاناة والمضايقات والابتزاز، ولكل الاحتمالات والمخاطر التي قد تصل إلى حد القتل، كما حدث للشهيد عبد الملك السنباني. 
 
إن إجبار المواطن اليمني على أن يعاني هذا الوضع، الذي لا يقره عقل ولا يقبله ضمير، هو كما يبدو جزء من المراهنة على أن الإمعان في تعذيب اليمنيين سيؤدي بهم إلى الانتفاض على الحوثيين وسلطتهم في صنعاء. وهذه مراهنة أثبتت سنوات الحرب والحصار وتوقف صرف المرتبات والمعاشات وتصاعد الأسعار وانهيار سعر العملة اليمنية وانعدام فرص العمل ووضع العراقيل أمام وصول المشتقات النفطية والمواد الغذائية بصورة طبيعية، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية والكهرباء والمياه وغيرها، أثبت هذا كله بأن هذه المراهنة خاسرة. ونحن نعرف لماذا هي خاسرة. 
 
لقد كان أولى بالمراهنين من قوى التحالف، إذا أرادوا أن يثيروا الشعب ضد سلطة الحوثيين، أن يراهنوا، بدلاً من التعذيب المتعمد للمواطنين، أن يراهنوا على إيجاد نموذج للحكم، في المناطق التي يسيطرون عليها، يجذب اليمنيين إليه ويقنعهم بأنه نموذج أفضل من النموذج السائد في صنعاء وفي المحافظات التي تسيطر عليها الحركة الحوثية. فالنموذج، الذي أقامه التحالف في المناطق، التي يسيطر عليها، لا يمكن أن يجذب المواطن اليمني إليه، ولا يمكن أن يدفعه إلى أن ينتفض على سلطة الحوثيين، ليستبدل بها نموذجاً أدنى كفاءة وأقل انضباطاً وأكثر انفلاتاً، مهما أمعن التحالف في الحصار والتضييق. وفي يقيني أنه لولا الخطاب الطائفي السلالي للحركة الحوثية، الذي يعمق الانقسام في المجتمع ويثير المشاعر ضدها، لفضلها المواطنون على جنة التحالف ونعيمه. 
 
أمنوا الناس يا هؤلاء في مدنهم وأريافهم وطرقاتهم، واسرعوا في التوافق على فتح مطار صنعاء وصرف المرتبات وتثبيت قيمة العملة الوطنية، مقابل العملات الأجنبية، ووجهوا الأجهزة المرتبطة بكم إلى تقديم الخدمات المعتادة للمواطنين وإلى فرض سلطة الدولة واستئصال الفساد المستشري في أوساط بعض المسؤولين، وانهوا ظاهرة تعدد مراكز القوى وتصارعها، وساعدوا اليمنيين على التصالح فيما بينهم وبناء دولتهم المدنية، وامتنعوا بعد ذلك عن التدخل في شؤونهم الداخلية. جربوا أن تصنعوا ذلك، وسترون أن اليمنيين سينجذبون إليكم، وسيكونون لكم خير الجيران، فهم خير شعوب الأرض. أما حمل الناس على الاقتناع بكم، بالمراهنة على مزيد من تعذيبهم والتضييق عليهم في عيشهم وتعريض أمنهم وسلامتهم ووحدة أراضيهم للخطر، فلن تكون إلا مراهنة خاسرة، لا يذهب إليها إلا الفاشلون.

اخبار التغيير برس

التغيير برس