التغيير برس

الراحل، الذي لن ترحل ذكراه معه

الراحل، الذي لن ترحل ذكراه معه
 
كلمة ألقيت في أربعينية الأستاذ محسن أحمد العيني، في المركز الثقافي بصنعاء
 
في صباح  الخميس، الموافق 7 أكتوبر 2021م 
 
 
بقلم:    د. أحمد قايد الصايدي
 
 
 
السيدات والسادة الحاضرون، كلٌ باسمه وصفته، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
هناك أشخاص قلائل يتأثر بهم الآخرون، دون أن يقصدوا التأثير فيهم. ولكن سلوكهم الراقي وصدقهم مع أنفسهم ومع الآخرين وشجاعتهم الأدبية، في التعبير عن آرائهم ومواقفهم، وهدوءهم وتواضعهم وعدم ادعائهم، كلّ هذا وغيره يؤدي إلى تأثر الآخرين بهم، تلقائياً ودون قصد أو تعمد. والأستاذ محسن أحمد العيني واحد من أبرز هؤلاء.     
 
عرفت الأستاذ محسن العيني في مستعمرة عدن، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، عندما جاء من القاهرة للعمل مدرساً في المعهد العلمي الإسلامي، المواجه لقلعة صيرة الشامخة، التي قاوم اليمنيون، في عام 1839م، من مرابضها قوات الاحتلال البريطاني، القادمة من مستعمرتهم في الهند، والمطل على مرفأ صيرة، ميناء عدن القديم. كان الأستاذ محسن حينها قد تخرج من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، التي واصل دراسته فيها، بعد أن أوقفت الحكومة اليمنية منحته الدراسية في باريس، بسبب مواقفه المعارضة لسياساتها.  
 
وتولى خلال عمله في المعهد، تدريسنا مادة اللغة الإنجليزية أولاً، ثم مادة التاريخ. واختير ليكون مربي صفنا الدراسي. ولأنه كان في ذلك الحين عضوا في حزب البعث العربي الاشتراكي، فقد اهتمت بمجيئه إلى عدن قيادة المؤتمر العمالي، التي كان بعضها منتمياً لحزب البعث، وبعضها كان متأثراً به. فانخرط الأستاذ محسن في العمل النقابي، من خلال نقابة المعلمين، ومارس تأثيراً كبيراً، سواءً في المؤتمر العمالي، أو في إطار الفعاليات السياسية النشطة في مستعمرة عدن. فاعتبرته السلطات البريطانية شخصاً غير مرغوب فيه، وقررت نفيه إلى الخارج. وكانت وجهته مصر، بطبيعة الحال، مركز الفعل السياسي والثقافي العربي، في ذلك الزمان. وهناك تولى رئاسة مكتب المؤتمر العمالي في القاهرة، مع تمثيل المؤتمر في مصر وفي البلاد العربية الأخرى. وبقينا نحن تلاميذه، نتتبع أخباره، من خلال أصدقائه، ومن خلال ما كان يكتبه أحياناً في صحيفة الأيام، التي ربطته بصاحبها، الأستاذ محمد علي باشراحيل رحمه الله، علاقة صداقة، استمرت بعد نفيه.
 
في ذلك الزمان عندما التحق الأستاذ محسن العيني في عمله التدريسي بالمعهد العلمي الإسلامي، كان وجود شخص متخرج من الجامعة أمراً نادراً جداً، ليس في المعهد فحسب، بل في عموم اليمن، شمالاً وجنوباً. ولأن الأستاذ محسن كان الجامعي الوحيد في المعهد، قبل أن يلتحق به المهندس الزراعي علي محمد عبده (وزير الزراعة في حكومة الثورة السبتمبرية فيما بعد)، فقد كان الشيخ محمد سالم البيحاني، الشخصية اليمنية المعروفة، إمام مسجد العسقلاني ومؤسس المعهد العلمي الإسلامي، كان عندما يأتي زوار إلى المعهد، يقدم لهم الأستاذ محسن متفاخراً، بقوله: هذا الأستاذ محسن العيني، خريج السربون وجامعة القاهرة.
 
ومن أكثر الأحداث، التي مرت بنا في (المعهد العلمي الإسلامي)، تأثيراً في نفوسنا ورسوخاً في ذاكرتنا، نفي السلطات البريطانية لأستاذنا محسن أحمد العيني. فقد استغربنا مروره ذات يوم على الطلاب، طالباً طالباً، بعد أن ألقى درسه في التاريخ وأملاه علينا، ليضع توقيعه، على غير عادته، على دفتر كل طالب، في نهاية الدرس الذي أملاه علينا، مع تدوين تاريخ ذلك اليوم، وإذا لم تخني الذاكرة، فقد كان تاريخ 19 يناير 1961م. وبعد أن أكمل وضع توقيعه على كل كراس، من كراريس التلاميذ، جلس على كرسيه وشبك أصابع كفيه، ثم بدأ يتحدث معنا حديثاً هادئاً ومؤثراً. ما يزال بعضه في ذاكرتي حتى اليوم: فقد تحدث بصوت لا يخلو من الحزن، عن قرار الإدارة البريطانية إخراجه من عدن، باعتباره شخصاً غير مرغوب فيه. وأخبرنا أن الدرس الذي ألقاه ذلك اليوم، هو آخر درس يلقيه علينا، وأنه ليس مكترثاً بالقرار البريطاني ولا يهمه أن يعيش في عدن أو في أي بلد عربي، فالبلاد العربية كلها وطنه، ولكنه حزين، لأنه سيفارق طلاباً أصبحوا له أصدقاء. وما أن أكمل عبارته الأخيرة، حتى أجهش الجميع بالبكاء. وغادر الأستاذ محسن الصف متأثراً. وغادرنا نحن أيضاً، فقد كان ذلك هو آخر درس في يومنا الدراسي. 
 
وفي اليوم التالي اصطف الطلاب في طابور الصباح، ووقف مدير المدرسة، الأستاذ الأردني (ناظم البيطار)، في مواجهة الطابور، ومعه أساتذة المعهد. وكالعادة أمر الطلاب أن ينشدوا نشيد الصباح. وبدون سابق اتفاق، وبتلقائية عجيبة، لم ينبس أي طالب بكلمة، وخيم الصمت وسط ذهول المدير والأساتذة. كرر المدير أمره، واستمر الطلاب في صمتهم، ولما طال الصمت والذهول، رفع أحد الطلاب صوته باستنكار حزين، موجهاً كلامه للمدير: إحنا زعلانين، كيف تشتينا ننشد؟. عند ذلك أيقن المدير أن لا فائدة من تكرار أمره للمرة الثالثة، فغير لهجته الآمرة، وبدأ يتحدث بلطف غير مألوف، فقد اتسمت شخصيته بالخشونة، أو ربما كان يتعمد ذلك، وكان الود مفقوداً بينه وبين الطلاب. تحدث المدير باللهجة اللطيفة، التي فاجأنا بها، معبراً عن حزنه هو أيضاً لنفي الأستاذ محسن، ولكن الرد الصحيح على ذلك الإجراء، هو أن نضاعف من جهودنا في التحصيل الدراسي وأن لا نترك ذلك الحدث يؤثر فينا، وليكن حافزاً لنا لمزيد من الجهد، ولنرفع أصواتنا بالأناشيد الوطنية. فهذا هو الموقف السليم تجاه ما حدث. وبعد أن أنهى حديثه أمرنا بالدخول إلى صفوفنا. 
 
وعندما انتهى يومنا الدراسي، توجهنا في مظاهرة طلابية، تتقدمها لافتة، يستنكر فيها طلاب المعهد نفي أستاذهم محسن أحمد العيني. وسارت المظاهرة من المعهد العلمي، عند بوابة خليج حقات، التي لم تعد موجودة اليوم، وعبر حي البنوك ثم انعطفت باتجاه السوق المركزي (الزريبة) الواقع بين شارع الزعفران والسوق الطويل، ثم سارت في السوق الطويل حتى نهايته. وعندما وصلت إلى الساحة الواقعة أمام مقهاية زكو، حيث كان مقرراً أن تنتهي، فاجأتنا سيارات الشرطة، قادمة من جهة اليسار، من شارع يوصل حافة حسين بتلك الساحة. ترجل رجال الشرطة من سياراتهم واتجهوا إلى اللافتة فانتزعوها من أيدينا ثم فرقونا دون أن نبدي أي مقاومة، فالمظاهرة كانت قد وصلت إلى نقطة النهاية، المحددة مسبقاً.
 
لن استرسل في الحديث عن الأستاذ محسن وذكريات ذلك الزمن الجميل، بأحلامه وطموحاته، فالحديث ذو شجون، والذكريات عزيزةٌ على النفس، حيةٌ في الذاكرة وفي الروح، إذا ما استرسلت في استحضارها، لن يسعفني الوقت، ولن يتسع لي المجال. ولكن لا بد من أن أؤكد في هذه العجالة على أن شخصية الاستاذ محسن البسيطة والعظيمة، في الوقت نفسه، قد أثرت تأثيراً كبيراً على توجهات طلابه واهتماماتهم. وقد تفتحت مدارك الكثيرين منهم واهتماماتهم الوطنية علي يديه. في ذلك الزمن لم يكن التدريس مهمة تعليمية تربوية فحسب، بل كان نضالاً وطنياً حقيقياً. ولذا فقد نجح الأستاذ محسن وأمثاله في إعداد صفوة من القادة الوطنيين، الذين شغل بعضهم فيما بعد، مواقع في الصف القيادي الأول، في مختلف الأحزاب السياسية اليمنية والقومية، وفي قيادات الدولتين اليمنيتين، في شمال الوطن وفي جنوبه.
 
كتب لي الأستاذ محسن مرة رسالة عبر الواتساب، قبل وفاته بأشهر معدودات، بأنه سيتصل بي تلفونياً. وما هي إلا دقائق حتى رن التلفون، فإذا بي أسمع صوته، الذي لم أسمعه منذ سنوات طويلة. خلت وأنا أنصت إلى كلماته، وكأني ما أزال في مقعد الدراسة في المرحلة المتوسطة في مدينة عدن (التي نزعوا منها اليوم، مع الأسف، اسمها التاريخي الجميل، واستبدلوه بالاسم الإنجليزي، كريتر)، وهو ما يزال أستاذنا ومربي صفنا، يتحدث إلينا بصوته الهادئ وكلماته الدقيقة وعباراته المتزنة ووجهه البشوش. كان مما قاله لي عبر التلفون: على اليمنيين أن يدركوا بأن لا أحد غيرهم سيهتم اهتماماً جدياً بمأساتهم. عليهم أن يتفاهموا ويتصالحوا ويحلوا مشاكلهم فيما بينهم، ويتفقوا على إيقاف الحرب، ويتجهوا جميعهم إلى بناء دولتهم معاً. فأكدت له، بأن هذا هو ما نعمل له في (جماعة نداء السلام)، وفي مثيلاتها من المنظمات المدنية، الداعية إلى السلام، ولكن دوي الصواريخ والمدافع وضجيج الآليات والمجنزرات وأزيز الرصاص أقوى وأعلى من أصواتنا المدنية، المحدودة التأثير حتى الآن. كانت تلك نصيحة الأستاذ محسن لشعبه، قبل أن يغيبه الموت عنا. وفي الواقع أن غياب دور الأحزاب السياسية، القادرة، بامتداداتها التنظيمية والجماهيرية، على إحداث حراك شعبي سلمي واسع يغير المشهد السياسي، في الداخل اليمني، ويغير مواقف القوى الخارجية، الإقليمية والدولية، جعل أصواتنا تتلاشى وسط صخب الحرب، دون أن تحدث التأثير، الذي نتمناه. 
 
لطالما خطر في بالي سؤال، تتولد عنه جملة أسئلة: لماذا لا يعطي اليمنيون لرموزهم الوطنية ما تستحقه من اهتمام، في كتاباتهم وفي وسائل إعلامهم، وقبل كل شيء، في مناهجهم الداراسية؟. فقد لفت نظري تقدير وإجلال إخوتنا في مصر لرموزهم الوطنية. فمن منا لم يقرأ ما كتبه المصريون عن أحمد عرابي وسعد زغلول ومصطفى كامل والشيخ محمد عبده وغيرهم، وصولاً إلى جمال عبد الناصر؟ ومن منا لم يقرأ لشوقي وحافظ ابراهيم والمنفلوطي والمازني والعقاد ومحفوظ، وغيرهم من الأسماء، التي أبرزها إخوتنا في مصر، ودرسوا سيرها لأبنائهم في مدارسهم الابتدائية والإعدادية؟ من منا لم يقرأ لهؤلاء، ولم يقرأ عنهم؟ لماذا يهمل اليمنيون رموزهم؟ هل العلة في الأنظمة الحاكمة، التي تعاقب ليلها علينا، أم في مناهجنا الدراسية، المتدنية المستوى، في شكلها ومحتواها، غير المبنية على أسس وطنية، وغير المرتبطة بمشروع نهضوي شامل لليمن؟ أم أن العلة تكمن في خلافاتنا ومماحكاتنا السياسية، التي تسحب نفسها حتى على الأموات، ممن أسهموا في العمل الوطني؟ أم أن المشكلة تكمن في سيكلوجيتنا الخاصة، التي تجعل كل امرئ منا يخال نفسه أفضل من غيره، وقد يتوهم أنه لو أسهم في إبراز هذا الرمز الوطني أو ذاك، فسيقلل من شأن نفسه؟ هذه مجرد تساؤلات، عنَّت لي في هذه المناسبة، وقد تأتي أجيال أخرى من أبناء اليمن، تُعنى بالإجابة عنها.
 
وأخيراً، مهما قلت، فلن أفي هذا المعلم القدوة والمناضل الوطني الكبير، لن أفيه حقه. وإني على يقين، من أن الحديث عنه لن يقتصر على تلاميذه وأصدقائه وأهله، بل سيُكتب عنه الكثير، من قبل أناس عرفوه وأناس لم يعرفوه، سواءً ممن اتفقوا معه في مواقفه وفي رؤاه، أو ممن اختلفوا معه، اختلافهم مع رجلٍ أتقن فن الاختلاف الراقي طوال حياته، ولم يقطع حبال الود مع أحد من مخالفيه. وإني لآمل أن يهتم واضعو المناهج المدرسية والباحثون والكتاب والصحفيون، برموزنا الوطنية، بعيداً عن الحساسيات، التي أسهمت في إيصالنا إلى ما نحن فيه، وأن يغرسوا في وجداننا معاني الإكبار والتبجيل، لكل رموزنا الوطنية، من أمثال الأستاذ محسن وغيره من الرموز، الذين كرسوا حياتهم لخدمة وطنهم ونهضة شعبهم. فمن التقصير البين، وكلنا مقصرون في هذا، من التقصير البين أن نحزن عليهم عند وفاتهم، وأن نودعهم عندما يرحلون عن دنيانا، ثم ننساهم بعد حين. ولا يبقى في ذاكرة أجيالنا القادمة من رموزنا الوطنية من يمكن أن يمثل قدوة يقتدون بها، ويسيرون على نهجها. هذه مسألة على درجة عالية من الأهمية، علينا جميعاً أن نلتفت إليها بفهم واستيعاب وجدية، تتناسب مع أهميتها التربوية، قبل أهميتها السياسية. 
 
وفي الختام، أقول كما قال الأستاذ محسن، عندما أبلغته بوفاة رفيقه الأستاذ عبده علي عثمان رحمهما الله: لله ما أعطى ولله ما أخذ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
 
وداعاً أيها المربي الفاضل والرمز الوطني الكبير. وعزاءً لأسرتك الكريمة، وكافة أهلك، وأصدقائك ومحبيك وشعبك، وعزاءً لليمن الذي أحببته وأخلصت له وكرست حياتك من أجله. لقد غادرتنا ونحن أحوج ما نكون إلى رجال عقلاء، من أمثالك.
 
 

اخبار التغيير برس

التغيير برس