التغيير برس

حرب التكنولوجيا ... وقفا نبكى !

عز الدين سعيد الأصبحى

___


انقطعت خدمة تطبيقات فيسبوك وواتس آب لساعات فارتبك العالم. ولم يعد خروج تطبيقات،هى أصلا للتواصل الاجتماعي، مجرد فقدان بعض التسلية، ولكنه شكل ارتباكا سياسيا واقتصاديا واسعا.  فقد كلف العطل المفاجئ فى خدمات فيسبوك وواتس آب وإنستجرام شركة فيسبوك نحو 164 ألف دولار خسائر فى الدقيقة الواحدة أى ما يقارب 60 مليون دولار إجمالا. وحسب التداول الإعلامى فإن أسهم الشركة شهدت انخفاضا بأكثر من 40 مليار دولار من قيمتها السوقية، وكلف ذلك المؤسس مارك زوكربيرج خسائر شخصية بما يزيد على 6 مليارات دولار. وهبطت أسهم فيسبوك بنسبة 4.89% صباح يوم الاثنين الماضي، بعد مقابلة بثتها 60 دقيقة فى وقت متأخر من يوم الأحد مع عالمة بيانات «فيسبوك» السابقة فرانسيس هاوجن. والتى زعمت أن فيسبوك متهمة فيما  يتعلق بخطاب الكراهية والمعلومات المضللة على نطاق واسع، وأن الشركة كانت تخدع المستثمرين بشأن كيفية تعاملها مع المشكلات. تلك معلومات تناولتها الصحافة بشكل واسع قبل أيام ولكن ما يهمنى فى مناقشة هذه القضية هو أن هذه الحادثة أظهرت مدى آفاق الحرب  القادمة، فى فضاء آخر غير الذى تعودنا عليه وهو فضاء الصراع الإلكتروني، وحماية الأمن السيبراني.  وستتراجع حالات الصراع البدائية القائمة على السلاح التقليدى والألغام الأرضية والبنادق، ونجد كل ذلك  قريبا فى خانة (الليل والخيل والبيداء تعرفني) وينتهى عالم تمجيد القائد المغوار وبدلات الجنرالات والمجاهدين ويظهر عيال بلباس نص كم ويطلق عليهم هاكرز، وتنقلب معادلات اقتصادية مخيفة بسبب فيروس زرعه مراهق وراءه عصابات ودول .  ورغم صدق ما قالته الموظفة المستقيلة من فيسبوك فرانسيس هاوجن، لجريدة وول ستريت جورنال: أن خوارزميات الشركة تعزز الفرقة وان فيسبوك حسب  هاوجن أيضا لشبكة سى.بى.إس. منصة تزيد من الكراهية وتنشر معلومات مضللة وتسبب الأزمات السياسية وتخفى بيانات مستخدميها لأغراض كثيرة، فانه يبدو تماما ان كرة الثلج بدأت تتدحرج على شركة فيسبوك العملاقة والأمر ليس مجرد خلل فني، ولكن التداعيات وصلت إلى استدعاء الكونجرس المسئولة السابقة لتدلى بشهاداتها، وبدأت لجنة حماية المستهلك وعدد من نواب الكونجرس بفتح أبواب الجحيم على العملاق الإلكتروني،  الذى يبدو ان أمامه تحديا أكبر من مجرد خلل  فني، وهو تحدى إعادة صياغة سياسات وتقاسم أرباح، وترتيب الفضاء العالمى المتحكم بمئات الملايين.  وسنرى خلال القادم القليل من الأيام تطورات مثيرة . كل ذلك يبدو صحيحا وغير مستغرب، ولكن أزمة انقطاع بعض تطبيقات التواصل الاجتماعي، وتوقف هذا العالم الافتراضى أعادت أمامنا السؤال الإستراتيجى عن وضعنا فى منظومة التطورات العلمية المتسارعة، وإلى أى مدى نحن جزء من هذا التطور، فاعلين وليس مجرد ساحة للغنيمة. وسؤال آخر أكثر بساطة، ماذا لو أوقفت دولة مثل الولايات المتحدة خدمة الإنترنت؟ وقيل نفس ما قالته شركة فيسبوك إن السبب: (تغييرات فى إعدادات أجهزة الراوتر الرئيسية وقد تسببت بحدوث مشاكل أدت إلى انقطاع خدمة الاتصال.)  لنا أن نتصور حالات الصراع فى العالم وتوقف خدمات الطيران والبنوك، وقوائم البيانات الصحية والمالية، وكل ما حولك من أجهزة وقد تحولت إلى جثث. وكل أموالك فى مهب الريح. لهذا فإن الصراع فى العالم على أشده على فضاء العلم واحتكار التكنولوجيا، ومن هنا تغيرت ساحات المواجهات الدولية الكبرى وأخذت أمريكا مثلا معظم خيام جندها ومضاربها من الشرق الأوسط والمنطقة العربية واتجهت تنصبها صوب الصين والشرق الأقصى القوة المنافسة القادمة. فالبلد الذى احتفل منذ أيام  بمرور مائة عام على تأسيس الحزب الشيوعي، أدرك أن الإسهام فى صنع التحول العالمي، لن يكون من خلال نشر أيديولوجيا الرفاق التى أودت بالاتحاد السوفييتي، ولكن من خلال السلع المنافسة، وخلال أربعة عقود صارت إفريقيا حديقة غير مرئية للصين المنتشرة بشركاتها لا بأساطيل عسكرية أو أذرع أيديولوجية،  بل سلع رخيصة، ومنافسة على فضاء التكنولوجيا. والصراع القادم هو هناك فى الفضاء الإلكترونى وبين الشرق الأبعد المشع بنيران التنين الصينى ومسدس الكاوبوى الذى لن يسمح للعالم بالخروج عن غطرسة راعى البقر المحتكر للتكنولوجيا.  نعم لن تقبل أمريكا أن تكون عملاقا عسكريا ضخما وقزما اقتصاديا، أمام الحليف الأوروبى والمنافس الصيني،  فذلك يجعل المارد الضخم يقف على ساقين من الطين، والرفاق الذين تركوا صراع الطبقات مبكرا فى معسكر الشيوعية وأدركوا أن تصدير السلع الرخيصة أهم من تصدير الأيديولوجيا ونجحوا فى الوصول للقمة المنافسة، وألا يجعلوا هذا الفضاء حكرا غربيا، ولذا لديهم فضاؤهم، وصراع الأجيال القادمة من الهواتف النقالة يتجاوز مجرد صفقات تجارية إلى حرب سيطرة فعلية على عالم مضطرب.  إنه صراع يشبه نشر القواعد العسكرية وخلايا التجسس البشرية قبل سبعين عاما، وما يجرى مما سمى أعطالا فنية فى فضاء إلكترونى غير محدود يبدو فقط تجارب عابرة للقارات، يمهد لترويض العالم فى اتجاه دائرة الصراع القادم.   فمثل ما عمل فيروس كورونا من ترويض للعالم كله فى البقاء بالمنازل وتغيير كثير من أنماط  العادات الاجتماعية وإنهاء كل أشكال الاحتجاجات الصاخبة فى الشارع، وهندسة الانتقال والسفر عالميا، وفرض نمط تواصل عالمى جديد،  لمصلحة فضاء التكنولوجيا.   هاهو العالم يعاد تهيئته ثانية، لكيفية دخوله هذا الفضاء، والبدء بمرحلة جديدة من العولمة والصراع، وليس مجرد تغييرات فى إعدادات أجهزة الراوتر الرئيسية التى تسببت بحدوث مشاكل أدت إلى انقطاع خدمة الاتصال، ويبقى السؤال : أين نحن من هذا الصراع كأمة تخرج يوميا من دوائر اللحاق بالعصر؟  وتصر على البقاء فى ثارات العشائر ومضارب بنى عبس توقد النار وتغنى مع امرؤ القيس (قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ)!

اخبار التغيير برس

نقلا عن الأهرام

التغيير برس