التغيير برس

العالم يتشكل من جديد فأي مكان لنا فيه؟

 

د. أحمد قايد الصايدي

 

أطل القرن العشرون وكان العالم مايزال محكوماً بنظام عالمي، تكونت ملامحه عبر العديد من الاتفاقيات والتسويات والمبادئ المعلنة، كاتفاقية وستفاليا (1648م) وتسويات فينا (1815م) ومبدأ مونرو (1823م). وهي اتفاقيات وتسويات ومبادئ كانت غاياتها إرساء قواعد منظمة لعلاقات القوى الكبرى، بعضها ببعض، ولا سيما القوى الغربية، وتحديد مساحات نفوذها وضبط آليات تنافسها على ثروات وأسواق العالم. وكانت ألمانيا الصاعدة صناعياً وعسكرياً منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، تحاول أن تجد لها مكاناً بين القوى الاستعمارية المتنافسة، ولا سيما بعد أن استكملت وحدتها في عام 1871م. 

ورغم الاتفاقيات والتسويات والمبادئ المعلنة، التي نظمت علاقات الدول بعضها ببعض، فقد تمخضت المنافسات على مصادر الثروات والأسواق ومناطق النفوذ، تمخضت عن حرب كونية، عُرفت بالحرب العالمية الأولى (1914م – 1918م)، خرقت فيها الولايات المتحدة الأمريكية مبدأ مونرو، وشاركت بفعالية في الحرب، وخرجت منها بأقل الخسائر وأكبر الفوائد، نظراً لبعدها الجغرافي عن ميادين القتال. وفي مؤتمر الصلح بباريس (1919م) أرسى المنتصرون في الحرب قواعد جديدة، عُرفت بمعاهدة فرساي، نظمت علاقاتهم بالمهزومين فيها.  

 

وأحدثت الحرب العالمية الأولى تفاعلات داخلية وخارجية، في مختلف البلدان التي شاركت فيها. فظهرت أحزاب مهمة، لا سيما في كل من روسيا (الشيوعية)، وإيطاليا (الفاشية) وألمانيا (النازية). وجاءت الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى (1929م) لتمهد الطريق أمام الحزب النازي الألماني، بقيادة أدولف هتلر، ليفوز في انتخابات مطلع 1933م ويستلم السلطه ويحكم قبضته عليها ويفرض نظام حكم دكتاتوري صارم، تمكن خلال سنوات قليلة من تجاوز الأزمة الاقتصادية وآثارها في الداخل الألماني والشروع في بناء القدرة العسكرية، المترافقة مع نزوع إلى التوسع الاستعماري، لاسيما داخل أوربا نفسها، في ما اعتبرته ألمانيا مجالها الحيوي.

 

ونتج عن نزوع ألمانيا الهتلرية إلى التوسع داخل أوربا اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939م – 1945م)، التي أفضت نتائجها إلى إرساء نظام عالمي جديد، بعد سحق ألمانيا وحليفتها إيطاليا، ومعهما اليابان، والقضاء على النازية والفاشية وبروز الدور العالمي للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، كقطبين شكلا محوري الصراع العالمي، طوال ما عرف بفترة (الحرب الباردة)، التي امتدت من انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن العشرين.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تسيدت الولايات المتحدة الأمريكية العالم، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً، دون منازع. وعملت على تعميم ثقافتها ورؤيتها للعالم على كل شعوب الأرض. وبدا لبعض الوقت وكأن القرن الواحد والعشرين قد غدا محكوماً بالقطب الأوحد (أمريكا)، حتى أن بعض الكتاب والسياسيين أطلق عليه اسم (القرن الأمريكي). 

ولكن لأن الحراك السياسي والاقتصادي في العالم لا يمكن أن يتجمد عند نقطة واحدة، أو يتوقف لمدى طويل عند حد معين، فإن قوى جديدة أخذت تظهر على المسرح العالمي، وتملأ الفراغ الذي تركه الإتحاد السوفييتي وتتجه إلى تشكيل نظام عالمي جديد، قائم على تعدد الأقطاب وتنافسها اقتصادياً، ومن ثم سياسياً. وعلى رأس هذه القوى جمهورية الصين الشعبية والاتحاد الروسي والهند. كما استكمل الاتحاد الأوربي بناء أساساته، وانطلق يبني اقتصاداته وسياساته المتكاملة، مشكلاً قوة جديدة على مسرح التنافس العالمي. ولكنها قوة لم تعبر عن طموح حقيقي لتجاوز القطب الأمريكي، بل بدت قانعة بأن تبقى حليفة له، ملحقة به وتحت حمايته.  

على هذا النحو بدأ العالم يتشكل من جديد، ويتجاوز فكرة القطب الأوحد: فالطموحات الأمريكية تتراجع، دون أن تنتهي بطبيعة الحال، وقوى منافسه تواصل صعودها، لتفرض بمجموعها عالماً متعدد الأقطاب، ستحكمه قواعد علاقات دولية جديدة، قد يؤدي تجاوزها إلى الدخول في مواجهات مسلحة، لن تكون هذه المرة شبيهة بالحربين العالميتين، الأولى والثانية، من حيث قدرتها التدميرية. وقد يؤدي نشوبها إلى انتهاء الحياة على كوكب الأرض.

وإذا ما أردنا أن نرسم صورة تقريبية لحالة التشكل، التي نشهد بعض مظاهرها، فإن البداية لابد أن تكون من الولايات المتحدة الأمريكية، التي ما تزال هي القوة الأعظم، حتى الآن على الأقل، رغم تراجع طموحاتها. فلازال نفوذها الاقتصادي والعسكري والسياسي والأمني والإعلامي ممتداً إلى معظم بقاع العالم. وما يزال مبدأ ترومان يطبع الكثير من سياساتها بطابعه (أي اعتداءٍ يقوم به عدوٌ لأمريكا في أي بقعةٍ من العالم، يعتبر اعتداءً على أمريكا). وماتزال سياسات الكتلة الأوربية مرتبطة بالتوجهات الأمريكية وتابعة لها. وتأتي المنافسة الجادة للنفوذ الأمريكي من الصين، الصاعدة اقتصادياً وعسكرياً. ويشكل الاتحاد الروسي حليفاً للصين، تتلاقى مصالحه ومصالحها، وتوحدهما سياسات الولايات المتحدة، الهادفة إلى إعاقة تطورهما. وتجد الهند نفسها في موقع وسط بين الكتلتين، الغربية والشرقية، تحكمه الجغرافيا والمصالح المشتركة مع الشرق، وتشده مصالح مشتركة وعلاقات ممتدة مع الغرب. وهو موقع يمكن أن يبعدها عن المواجهة المباشرة، سواءً مع الشرق أو مع الغرب، ويمكن بالتالي أن تستفيد منه في تطورها الاقتصادي، لتصبح قطباً من الأقطاب العالمية المهمة.  

ومن الواضح أن السياسة الأمريكية، وبالتبعية السياسة الأوربية، تحاول أن تخلخل تحالف الصين والاتحاد الروسي، من خلال سياسة احتواء للدب الروسي، ودفعه إلى الالتصاق بأوربا والابتعاد عن الصين. وذلك باتباع سياسة مزدوجة، تحتوي على عناصر ترغيب، متمثلة بالمرونة التي تظهرها أوربا والاتفاقيات الاقتصادية التي تبرمها مع روسيا، من جهة، وعناصر ترهيب، متمثلة بالحصار الاقتصادي، الذي تفرضه الولايات المتحدة، والتطويق والاستفزازات العسكرية، على الحدود المباشرة لروسيا، من جهة أخرى.

اخبار التغيير برس

ومن نافلة القول، أن السياسة الأمريكية إذا ما نجحت في إبعاد روسيا عن الصين، فسوف تتفرغ لمواجهة التنين الصيني، بمختلف الوسائل. وهذا ما تدركه الصين، كما يبدو من توجهها نحو تطوير قدراتها العسكرية، مع الاستمرار في توسيع علاقاتها الاقتصادية بدول العالم.  

ولأن حل التناقضات الاقتصادية والسياسية بين الدول الكبرى، لم يعد ممكناً عن طريق الحرب المباشرة بينها، لما تشكله هذه الحرب من تدمير شامل متبادل للدول المتنافسة وللعالم، قد ينهي الحياة على كوكب الأرض، فإن التوافق وإبقاء التنافس في الحدود المسيطر عليها، هو الخيار المتاح أمام هذه الدول. ولا بأس من أن تخوض حروباً عسكرية محدودة وغير مباشرة، بواسطة الدول الضعيفة، أي حروب بالوكالة، تسيطر هي عليها وتتحكم في مداها وفي مساراتها ونتائجها وتستخدمها لممارسة الضغوط المتبادلة وانتزاع المكاسب الاقتصادية والسياسية المتنافس عليها.

وتوحي الأحداث الدائرة اليوم في العالم، بأن تحقيق توافق عالمي يحكم علاقات الدول الكبرى، بعضها ببعض، ويحفظ السلام والأمن والاستقرار في العالم، ما يزال في مرحلة المخاض. وهي مرحلة شائكة، مليئة بمختلف الاحتمالات، تتشكل خلالها، شيئاً فشيئاً، صورة النظام العالمي الجديد. ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذه المرحلة، على النحو الآتي:   

تجنب الحرب المباشرة، بين الدول العظمى المتنافسة على ثروات وأسواق العالم، وإبقاء المعارك مشتعلة هنا وهناك، بواسطة دول وشعوب، تقبل على نفسها أن تسخر حروبها المحلية لصالح هذا الطرف أو ذاك، من أطراف التنافس العالمي، فتخسر كل شيء، ويربح المتنافسون الكبار كل شيء.

استمرار محاولات السياسة الغربية (الأمريكية - الأوربية) في احتواء روسيا وإبعادها عن الصين والانفراد بالصين بعد ذلك.

استغلال الولايات المتحدة الأمريكية بعض النقاط الحساسة، التي تتمثل في مشكلات حدودية أو تنافس اقتصادي، لا سيما في القارة الآسيوية، بين الصين وجزيرة تايوان الصينية، وبين الصين والهند، وبين الصين وروسيا، وبين الهند وباكستان وبين الكوريتين، وبين دول الاتحاد السوفييتي سابقاً ....إلخ.

إبقاء التوترات العالمية مستمرة، ولا سيما في بحر الصين الجنوبي ووسط آسيا ومنطقة الشرق الأوسط، وتوجيهها باتجاه تحجيم الصين وروسيا، وأي قوى صاعدة، قد يشكل صعودها تهديداً للمصالح الاقتصادية الغربية.

وهنا يُطرح سؤال محوري: ما هو مكاننا نحن العرب في هذا التنافس العالمي وفي التشكل الجديد للعالم؟  

للإجابة عن هذا السؤال، يمكن أن ننطلق من بديهية، نعرفها من خلال تمعننا في كافة الظواهر الطبيعية والبشرية. فاستمرار أي ظاهرة مرهون بتوازن عناصرها الداخلية وتوازن علاقاتها بمحيطها الخارجي. فإذا اختل التوازن انهارت الظاهرة وتلاشت. وهذا قانون يحكم الكون كله، بمجراته اللامتناهية، كما يحكم كوكب الأرض، الذي إذا ما اختل توازن عناصره انتهت كل مظاهر الحياة فيه. وينطبق هذا القانون حتى على أجسام البشر والحيوان والنبات. فالأمراض التي قد تصيبها، إنما تنتج عن اختلال في توازن العناصر المكونة لها.

وقياساً على ذلك يمكن القول إن الوطن العربي مختل التوازن، داخلياً وخارجياً. وهذا هو السبب الكامن وراء ضعفه واعتلاله وتخلفه. فعلى المستوى الداخلي، نرى بنية حكوماته وعلاقتها بالشعب وعلاقة مكونات الشعب (الاجتماعية والسياسية) بعضها ببعض، نراها كلها مختلة التوازن، إلى حد كبير. ويولد هذا الاختلال تخلفاً في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وعلى المستوى الخارجي، ترتبط الحكومات العربية بقوى خارجية على قاعدة مختلة التوازن أيضاً. فالقوى الخارجية تصنع هذه الحكومات وتسخرها لخدمتها، وتتعمد إبقاءها ضعيفة أمام الإرادة الخارجية، مرتهنة لها، خاضعة لمشيئتها. 

وفي ظل اختلال التوازن، داخلياً وخارجياً، وما يتولد عنه من ضعف داخلي، ومن علاقات خارجية غير متكافئة، مبنية على التبعية، مفتقرة إلى الندية والاحترام المتبادل، يبدو مستقبل الوطن العربي في إطار الصورة الاجمالية للعالم الذي يتشكل الآن، مستقبلاً لا يبشر بخير، ما لم تتحرك قواه الفاعلة، وتغير واقعه، وتعيد التوازن الداخلي والخارجي، بحيث يتمكن الشعب العربي من الانطلاق نحو الأمام، وفرض وجوده المؤثر بين شعوب الأرض، واحتلال مكانته اللائقة بتاريخه العريق وجغرافيته الممتدة وكثافته السكانية المتجانسة وموقعه المتميز وثرواته المتنوعة.  

 

التغيير برس